{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر: 10] ، هذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة، لأنه جعل لمن بعدهم حظا في الفئ ما قدموا على محبتهم وموالاتهم والاستغفار لهم، وأن من سبهم أو أحدا منهم أو اعتقد فيه شرا أنه لا حق له في الفئ، روى ذلك عن الإمام مالك وغيره، قال مالك: من كان يبغض أحدا من أصحاب محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو كان في قلبه عليهم غل، فليس له حق في فئ المسلمين، ثم قرأ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ" [1] ، وقد فهم متقدمو أهل السنة والجماعة ومتأخروهم أن المراد من الآية السابقة الأمر بالدعاء والاستغفار لهم من اللاحق للسابق، ومن الخلف للسلف، الذين هم أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، روى مسلم بإسناده على هشام بن عروة عن أبيه قال: قالت لي عائشة: يا ابن أختي أُمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فسبوهم [2] ."
وروى ابن بطة وغيره من حديث أبي بدر قال: حدثنا عبد الله بن زيد عن طلحة بن مطرف عن مصعب بن سعد بن سعد بن أبي وقاص قال: الناس على ثلاث منازل، فمضت منزلتان، وبقيت واحدة، فأحسن ما أنتم عليه كائنون أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت ثم قرأ: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا} [الحشر: 8] ، هؤلاء المهاجرين وهذه منزلة قد مضت، ثم قرأ: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9] ، ثم قال: هؤلاء الأنصار وهذه المنزلة قد مضت ثم قرأ: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ"، قد مضت هاتان وبقيت هذه المنزلة التي بقيت أن تستغفروا لهم [3] ،"
(1) تفسير القرطبي (18/ 32) .
(2) مسلم (4/ 2317) .
(3) منهاج السنة (1/ 153) ، المستدرك (2/ 484) ، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.