وتوالت بينهم الحرب، وتعالت فيهم الطعن والضَّرب، ومرَّ على المنصور حالي العيش (1) ، وعظم عليه إكثار النفقات على الجيش، وحصل له لذلك ضِيق وشدة، وبلغ السَّيل الزُّبا وجاوز الحِزام حدَّه (2) ، واتَّخذ حينئذٍ من صهوة الجور مقعدًا كظهر الشَّيهم (3) ، وطلب من الخُدَّام المُجبرين من كلّ نفرٍ ألفَ درهم، فامتنعوا وقالوا: لا نفعلها سُنةً أبدًا، ولا نرى/468 منا يد الدَّهر (4) سَبَدًا ولا لَبَدا (5) ، فشدَّد عليهم الطماعة، وأنزل في الجُبِّ منهم جماعة، فتقدَّم طائفة من المجاورين للغضب في العصبية، وإحياء الشِّقْشقة (6) العربية، وقالوا: مَنْ يتقدَّم في نزول الجُبِّ على الخدام، ويترك عار ذلك على وجهٍ حالكٍ إلى يوم القِيام، وطال في ذلك الكلام، من المُجاورين واشتدَّ النِّزاع والخِصام، ثم فرج الله الكربة، ببركات مُشرِّف هذه التربة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه.
19 -جَمَّاز بن منصور بن جَمّاز بن شيحة (7) ، الأمير عزُّ الدِّين الهاشميُّ الحسينيُّ، وتقدَّمَ بقيَّةُ نسبه في ترجمة جدِّه جَمَّاز.
(1) أي: اليسر والعسر.
(2) هذان مثلان يضربان في الشَّرِّ المفظع ومجاوزة الحدِّ. المستقصى 2/ 14.
(3) الشيهم: ذكر القنفذ. القاموس (شهم) ص1128.
(4) يقال لا آتيه يد الدهر، أي: الدهر كله. اللسان (يدي) 15/ 425.
(5) يقال في المثل: ماله سَبَدٌ ولا لَبَدٌ، كناية عن شدَّة الفاقة، وأصل السبد الشعر، واللَّبد: الصوف. المستقصى 2/ 331.
(6) أصل الشِّقْشِقَةِ: شيء كالرئة يخرجه البعير من فيه إذا هاج، والمراد الحمية العربية. القاموس (شقق) ص898.
(7) نصيحة المشاور ص259، التحفة اللطيفة 1/ 426.