فهرس الكتاب

الصفحة 1192 من 1335

33 -سليمان الغُماري (1) ، الشَّيخُ أبو الرَّبيع. كان من العُبَّاد المتكلّمين، والزُّهَّاد المُقلِّلين، والأولياء المُحقِّقين، والأسخياء المُتصدِّقين، أُضِرَّ في أواخر عمره، فَعُرِضَ عليه الخِدمة والقيامُ بنحو الطعام والإدام، وما لابدَّ للضرير منه من الطبخ أو مِلاء إبريقٍ من البئر، فامتنع وأبى كلَّ الإبا، ولم يجعل بينه وبين الله سببا، باشر بنفسه خَدمَه، فثبَّتَ الله لذلك قَدَمه، وحفظه عن إخلاء أعمال العميان وعصمه، وسلك في طريقته أحسنَ المسالك، وكان إليه ترجع الفُتيا على مذهب مالك، وتستنير بأنوار كرامته دياجرُ (2) الحوالك.

ذكر بعض الفقهاء أنَّه كان في بيتٍ بإزاء بيت الشَّيخ، وكان يُكرِّر في درسه بصوتٍ جَهْوَريٍّ، فتشوش الشَّيخ، فقال: خَفِّضْ من صوتك، فقلت: /480 يا سيدي، ما أقدر أَنْ أقرأ إلا كذا، فقال: فخفِّض قليلًا، فلم أفعل، فأصابتني نزلةٌ منعتني عن الكلام رأسًا، فمَرَّ الشَّيخُ عليَّ فقال: يا محمدُ، ما ترفع صوتك؟ فقلتُ بالإشارة: أنا تائب إلى الله يا سيدي، ففرَّجَ الله عني في الحال.

وذكر بعض الصالحين أنَّه حضره لما احتضر قال: فكان يقرأ القرآن، فلمَّا وصل في سورة يوسف إلى قوله تعالى: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًَا وَألْحِقْنِي بالصَّالِحِين} (3) فاضت روحه رضي الله عنه وأرضاه (4) .

(1) نصيحة المشاور ص81، التحفة اللطيفة 2/ 187.

(2) دياجر: جمع ديجور، وهو الظلام. القاموس (دجر) ص391.

(3) سورة (يوسف) ، آية: 101.

(4) ذكر ابن فرحون في نصيحة المشاور أنه توفي قبل والده بزمن طويل، وكانت وفاة والده سنة721هـ، فتكون وفاة المترجم في أوائل السبعمائة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت