وكان سعدٌ أميرًا كبيرَ الشَّان، عظيم الاعتشان (1) ، وقد صان الله شأنه عمَّا شان، وهو أوَّل مَنْ قمع اللهُ تعالى به البِدعة وأركانَها، ورفع به قواعدَ السُّنَّة وبُنيانَها، ولمَّا استقرَّ في الولاية بدأ أولًا بمنع آل سنان وغيرهم من الإمامية من التَّعرُّض للأحكام الشَّرعية، وعقود أنكحة الرَّعية، وردَّ الأمرَ بأسره إلى أهل السُّنَّة، وأزال ببأسه عن مخالفتها المَنَّ والمُنَّة (2) ، وأخمد نار الشِّيعة وأطفأها، وقلب قدر قُدورهم على صلة الذِّلَّة وأكفأها، ونادى في المدينة وأسواقها جِهارًا نَهارًا أن لا يَحكمَ في المدينة إلا القاضي الشَّافعيُّ، ومَنْ فعل فقد وَطِئ جُرُفًَا منهارًا، فبطل بالكُلية أمرُهم ونَهيهم، وظهر على الكلية وَهْنُهم ورَهْبُهم.
ثمَّ إنَّه منع قُضاة الشِّيعة أن يدخلوا معه الحُجرة الشَّريفة، وعيَّن إبراهيم بن عبد الله المؤذِّنَ في هذه الوظيفة، فكان يدخل أَمامه، ويواصل أنغامه، ويُبلِّغ خيرَ العالمين صلاتَه وسلامه، ثمَّ يأتي بالشَّريف ومَنْ معه إلى الشَّيخين المقدَّمين، والسَّيِّدين المعظَّمين، مُزْدَلِفَيْن إليهما، مُسلِّمين عليهما، وإبراهيمُ رافعٌ عقيرتَه (3) بالتَّسليم، والشَّريفُ وراءه في وقارٍ وخُضوع عظيم.
(1) اعتشن: قال برأيه. القاموس (عشن) ص1215.
(2) المنة: القوة. القاموس (منن) ص1235.
(3) عقيرته: صوته. القاموس (عقر) ص443.