فلمَّا كان بعد أيام وصل الخبر إلى مصر بأنَّ أولادَ مُقبلِ بن جمَّاز، قتلوا كُبيشًا بالحجاز، فخلع السُّلطان على طفيل بن منصور، وولاَّه المدينة بتقليدٍ ومنشور، فدخل المدينة في الحادي عشر من شوَّال من العام المذكور، وطار مَنْ كان بها من آل وُدَيٍّ طيرانَ صقورٍ من الوكور.
واستمرَّ طفيلٌ في المدينة حاكمًا، والعدوُّ من خارجٍ عليه مُتراكمًا، يشنُّون على المدينة الغارات، ويطلبون بِها الثَّارات، ويرعون الزُّروع، وينهبون الضُّروع، ويحرقون النَّخيل والأشجار، ويَجِدِّون ما أينع من الثِّمار.
فلمَّا اشتدَّ الحال، وامتدَّ الأعوال (1) ، وتواتر الصِّوال، خرج إليهم القاضي شرفُ الدِّين وشيخُ الخُدَّام وأعيانُهم وصالحوهم على خمسة عشر ألف دِرهم، وعلى ثمرة أملاكهم وأملاك مَنْ يلوذُ بِهم.
فلمَّا تمَّ الصُّلح بينهم، وقضى كلُّ فئةٍ من النِزاع بينهم، استنجد طُفيل بصالح ابن حُديثةَ من آل فضلٍ، وبعمر بن وُهيبة من آل مرا، وبعساف بن متروك الزَّراق (2) ، فجاؤوه في جموعٍ كالجبال، وعسكرٍ عن القتال غيرِ مُبال.
فساروا بِجمعهم الكثير، وجَمِّهم الغفير، على عسكرِ ابن وُدَيٍّ وعَدِّه النَّزر اليسير، يقال: إنَّهم كانوا ثَمانيةَ عشر فارسًا، أو نحو خمسةٍ وعشرين، فركبوا عليهم وكسروهم وضربوهم، وبلغوا منهم البِلغين (3) ، وخلصوا منهم سالمين، وحيث غدروا بِهم بعد الصُّلح لم يفلحوا، ولا عاقبةَ للظالمين.
(1) الأعوال جمع عول، وهو كلُّ ما عالكَ، وقوتُ العيال. القاموس (عول) ص1037.
(2) التحفة اللطيفة 3/ 187، نصيحة المشاور ص253.
(3) يقال للداهية: بلغت منا البِلَغِين. أي كلَّ مبلغ. القاموس (بلغ) ص780.