عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِىُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - يَقُولُ سُئِلَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ ذَرَارِىِّ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ « اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ » [1] .
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ سُئِلَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ أَوْلاَدِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ « اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ » [2] .
وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَرَارِىُّ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ « هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ » . فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِلاَ عَمَلٍ قَالَ « اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ » . قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَرَارِىُّ الْمُشْرِكِينَ قَالَ « مِنْ آبَائِهِمْ » . قُلْتُ بِلاَ عَمَلٍ قَالَ « اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ » . [3]
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ، كَمَا تُنْتِجُونَ الْبَهِيمَةَ ، هَلْ تَجِدُونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا » .
قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ وَهْوَ صَغِيرٌ قَالَ « اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ » [4] .
جدعاء: مقطوعة الأطراف
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاء قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة عَلَى أَقْوَال:
أَحَدهَا أَنَّهُمْ فِي مَشِيئَة اللَّه تَعَالَى ، وَهُوَ مَنْقُول عَن الْحَمَّادَيْنِ وَابْن الْمُبَارَك وَإِسْحَاق ، وَنَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي"الِاعْتِقَاد"عَن الشَّافِعِيّ فِي حَقّ أَوْلَاد الْكُفَّار خَاصَّة ، قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ: وَهُوَ مُقْتَضَى صَنِيع مَالِك ، وَلَيْسَ عِنْده فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة شَيْء مَنْصُوص ، إِلَّا أَنَّ أَصْحَابه صَرَّحُوا بِأَنَّ أَطْفَال الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّة وَأَطْفَال الْكُفَّار خَاصَّة فِي الْمَشِيئَة ، وَالْحُجَّة فِيهِ حَدِيث"اللَّه أَعْلَم بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ".
ثَانِيهَا أَنَّهُمْ تَبَع لِآبَائِهِمْ ، فَأَوْلَاد الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّة وَأَوْلَاد الْكُفَّار فِي النَّار ، وَحَكَاهُ اِبْن حَزْم عَن الْأَزَارِقَة مِن الْخَوَارِج ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} (26) سورة نوح، وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ الْمُرَاد قَوْم نُوحَ خَاصَّة ، وَإِنَّمَا دَعَا بِذَلِكَ لَمَّا أَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ { أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} (36) سورة هود، وَأَمَّا حَدِيث"هُمْ مِن آبَائِهِمْ أَوْ مِنهُمْ"فَذَاكَ وَرَدَ فِي حُكْم الْحَرْبِيّ ، وَرَوَى أَحْمَد مِن حَدِيث عَائِشَة"سَأَلْت رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - عَن وِلْدَان الْمُسْلِمِينَ ، قَالَ: فِي الْجَنَّة . وَعَن أَوْلَاد الْمُشْرِكِينَ ، قَالَ: فِي النَّار فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه لَمْ يُدْرِكُوا الْأَعْمَال ، قَالَ: رَبّك أَعْلَم بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ، لَوْ شِئْت أَسْمَعْتُك تَضَاغِيهمْ فِي النَّار"وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف جِدًّا لِأَنَّ فِي إِسْنَاده أَبَا عُقَيْل مَوْلَى بَهِيَّة وَهُوَ مَتْرُوك .
ثَالِثهَا أَنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي بَرْزَخ بَيْن الْجَنَّة وَالنَّار ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا حَسَنَات يَدْخُلُونَ بِهَا الْجَنَّة ، وَلَا سَيِّئَات يَدْخُلُونَ بِهَا النَّار .
رَابِعهَا خَدَم أَهْل الْجَنَّة ، وَفِيهِ حَدِيث عَن أنَس ضَعِيف أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ وَأَبُو يَعْلَى ، وَلِلطَّبَرَانِيّ وَالْبَزَّار مِن حَدِيث سَمُرَة مَرْفُوعًا"أَوْلَاد الْمُشْرِكِينَ خَدَم أَهْل الْجَنَّة"وَإِسْنَاده ضَعِيف .
خَامِسهَا أَنَّهُمْ يَصِيرُونَ تُرَابًا ، رُوِيَ عَن ثمَامَة بْن أَشْرَس .
سَادِسهَا هُمْ فِي النَّار حَكَاهُ عِيَاض عَن أَحْمَد ، وَغَلَّطَهُ اِبْن تَيْمِيَة بِأَنَّهُ قَوْل لِبَعْضِ أَصْحَابه وَلَا يُحْفَظ عَن الْإِمَام أَصْلًا .
سَابِعهَا أَنَّهُمْ يُمْتَحَنُونَ فِي الْآخِرَة بِأَنْ تُرْفَع لَهُمْ نَار ، فَمَنْ دَخَلَهَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا ، وَمَنْ أَبَى عُذِّبَ ، أَخْرَجَهُ الْبَزَّار مِن حَدِيث أَنَس وَأَبِي سَعِيد ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِن حَدِيث مُعَاذ بْن جَبَل . وَقَدْ صَحَّتْ مَسْأَلَة الِامْتِحَان فِي حَقّ الْمَجْنُون وَمَنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَة مِن طُرُق صَحِيحَة ، وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ فِي"كِتَاب الِاعْتِقَاد"أَنَّهُ الْمَذْهَب الصَّحِيح ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْآخِرَة لَيْسَتْ دَارَ تَكْلِيف فَلَا عَمَل فِيهَا وَلَا اِبْتِلَاء ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ بَعْد أَنْ يَقَع الِاسْتِقْرَار فِي الْجَنَّة أَوْ النَّار ، وَأَمَّا فِي عَرَصَات الْقِيَامَة فَلَا مَانِع مِن ذَلِكَ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} (42) سورة القلم، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ"أَنَّ النَّاس يُؤْمَرُونَ بِالسُّجُودِ ، فَيَصِير ظَهْر الْمُنَافِق طَبَقًا ، فَلَا يَسْتَطِيع أَنْ يَسْجُد".
ثَامِنهَا أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّة ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ فِي"بَاب فَضْل مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَد"قَالَ النَّوَوِيّ: وَهُوَ الْمَذْهَب الصَّحِيح الْمُخْتَار الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} (15) سورة الإسراء ، وَإِذَا كَانَ لَا يُعَذَّب الْعَاقِل لِكَوْنِهِ لَمْ تَبْلُغهُ الدَّعْوَة فَلَأَنْ لَا يُعَذَّب غَيْر الْعَاقِل مِن بَاب الْأَوْلَى ، وَلِحَدِيثِ سَمُرَة الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب ، وَلِحَدِيثِ عَمَّة خَنْسَاء الْمُتَقَدِّم ، وَلِحَدِيثِ عَائِشَة الْآتِي قَرِيبًا .
تَاسِعهَا الْوَقْف .
عَاشِرهَا الْإِمْسَاك .
وَفِي الْفَرْق بَيْنهمَا دِقَّة . ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّف فِي الْبَاب ثَلَاثَة أَحَادِيث: أَحَدهَا حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَأَبِي هُرَيْرَة"سُئِلَ عَن أَوْلَاد الْمُشْرِكِينَ"وَفِي رِوَايَة اِبْن عَبَّاس"ذَرَارِيّ الْمُشْرِكِينَ"وَلَمْ أَقِف فِي شَيْء مِن الطُّرُق عَلَى تَسْمِيَة هَذَا السَّائِل ، لَكِنْ عِنْد أَحْمَد وَأَبِي دَاوُدَ عَن عائِشَة مَا يَحْتَمِل أَنْ تَكُون هِيَ السَّائِلَة ، فَأَخْرَجَا مِن طَرِيق عَبْد اللَّه بْن أَبِي قَيْس عَنْهَا قَالَتْ"قُلْت: يَا رَسُول اللَّه ذَرَارِيّ الْمُسْلِمِينَ ؟ قَالَ: مَعَ آبَائِهِمْ . قُلْت: يَا رَسُول اللَّه بِلَا عَمَل ؟ قَالَ: اللَّه أَعْلَم بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ"الْحَدِيث . وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق مِن طَرِيق أَبِي مُعَاذ عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة قَالَتْ"سَأَلَتْ خَدِيجَة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - عَن أَوْلَاد الْمُشْرِكِينَ ، فَقَالَ: هُمْ مَعَ آبَائِهِمْ ، ثُمَّ سَأَلَتْهُ بَعْد ذَلِكَ فَقَالَ: اللَّه أَعْلَم بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ، ثُمَّ سَأَلَتْهُ بَعْدَمَا اِسْتَحْكَمَ الْإِسْلَام فَنَزَلَ ( وَلَا تَزِر وَازِرَة وِزْر أُخْرَى ) قَالَ: هُمْ عَلَى الْفِطْرَة ، أَوْ قَالَ: فِي الْجَنَّة"وَأَبُو مُعَاذ هُوَ سُلَيْمَان بْن أَرْقَم وَهُوَ ضَعِيف ، وَلَوْ صَحَّ هَذَا لَكَانَ قَاطَعَا لِلنِّزَاعِ رَافِعًا لِكَثِيرٍ مِن الْإِشْكَال الْمُتَقَدِّم . [5]
الباب الثالث
صفة الجنة في القرآن والسنة
المبحث الأول
حُفَّت الجنة بالمكاره
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ » . [6]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ ، قَالَ: يَا جِبْرِيلُ ، اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا ، فَذَهَبَ فَنَظَرَ ، فَقَالَ: يَا رَبِّ ، وَعِزَّتِكَ لاَ يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ ، إِلاَّ دَخَلَهَا ، فَحَفَّهَا بِالْمَكَارِهِ ، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا ، فَقَالَ: يَا رَبِّ ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لاَ يَدْخُلُهَا أَحَدٌ ، فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ النَّارَ ، قَالَ: يَا جِبْرِيلُ ، اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا ، فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا ، فَقَالَ: يَا رَبِّ ، وَعِزَّتِكَ لاَ يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ ، فَيَدْخُلُهَا ، فَحَفَّهَا بِالشَّهَوَاتِ ، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا ، فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا ، فَقَالَ: يَا رَبِّ ، وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لاَ يَبْقَى أَحَدٌ إِلاَّ دَخَلَهَا. [7]
ولعلّ هذا هو السبب الذي جعل جبريل-عليه السلام- عندما رأى ما أعده الله تعالى من النعيم المقيم لعباده في الجنة,ظنّ أن كل من يسمع بالجنة ونعيمها سيعمل من أجل أن يدخلها, لذا قال"فوعزتك لا يسمع بها أحدٌ إلا دخلها".
بعد أن قال جبريل- عليه السلام- ذلك, أمر الله تعالى بالجنة فحفّت بالمكاره, ثمّ قال لجبريل:ارجع إليها فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها, فرجع إليها,فإذا هي قد حفّت بالمكاره .فعلم بذلك أنّه لم يعد الطريق إليها سهلًا, بل هو طريق وعرٌ محفوف بالمتاعب والآلام والدموع والعرق والدم والتضحيات, وبذل كل ما في الوسع, ليس طريقًا مليئًا بالمتع والشهوات والنزوات, فمن أراد الجنة ونعيمها فليوطِّن نفسه لتحمل هذه المكاره التي حُفت بها الجنة- وهي الأمور التي تكرهها النفس لمشقتها- فلا يصل إلى الجنة أحدٌ إلا إذا تجرَّع من غصص هذه المكاره التي تحيط بها, ففي الحديث الشريف قد شبه حال التكاليف الشاقة على النفس-التي حُفت بها الجنة-والتي ينبغي على من يريد الجنة أن يؤديها ويقوم بها خير قيام كالصبر على المحن والبلايا والمصائب, والصبر على الطاعات التي تشق على النفس كالجهاد في سبيل الله وغير ذلك, شبّه كل ذلك بحال أسوار ٍكثيفةٍ من الأشواك التي يكمن فيها كل حيوان ضارٍّ من الوحوش والحيات والعقارب, وهذه الأسوار الكثيفة الكريهة محيطة ببستان ٍعظيم ٍتلتف به من كل مكان بحيث لا يستطيع أن يصل أحدٌ إلى هذا البستان ولا يحظى بالتنعم بما فيه إلا بعد أن يتخطى هذه الأسوار البغيضة, ويتجشم المشاق التي تلحقه حين سلوكه فيها,ولا شك أن ذلك يحتاج إلى جهادٍ طويل شاق,وصبر ٍدائم, كذلك الجنة لا ينالها ويحظى بنعيمها الدائم إلا من تخطى شدائد دنياه, مجاهدًا نفسه,صابرًا على ما يصيبه, راضيًا بقضاء الله تعالى,قائمًا بتكاليف الإسلام خير قيام,مضحيًا بالنفس والمال في سبيل نيل مطلوبه,فالجنة هي الثمن الذي اشترى الله به نفوس المؤمنين وأموالهم, قال تعالى: ( إنّ اللهَ اشترى من المؤمنين أنفُسَهمْ وأموالَهمْ بأنَّ لهمُ الجنّة َيُقاتِلون في سبيل ِاللهِ فيَقتُلونَ ويُقتَلونَ وعْدًا عليهِ حقًا في التوراةِ والإنجيل ِوالقرآن ِومَنْ أَوْفَى بعهدِهِ مِنَ اللهِ فاسْتَبشِرُوا بِبَيْعكمُ الذي بايَعْتُمْ به وذلك هو الفوزُ العظيمُ) {التوبة:111} قال شمر بن عطية:ما من مسلم ٍإلا لله عزّ وجلّ في عنقه بيعة, وفَّّى بها أو مات عليها ثمّ تلا الآية السابقة [8] .
بل أكدَّ الله تعالى الوعد الذي ذكره في هذه الآية وأخبر بأنّه قد كتبه على نفسه الكريمة وأنزله على رسله في كتبه العظيمة: التوراة والإنجيل والقرآن, ثمّ بشَّر من قام بمقتضى هذا العقد, ووفََّّى بهذا العهد بالفوز العظيم والنعيم المقيم.
ورحم الله من قال:
يا سلعةَ الرحمن ِلست رخيصة ً بل أنتِ غالية ٌعلى الكسلان ِ
يا سلعة الرحمن ليس ينالُها في الألفِ إلا واحدٌ لا اثنان ِ
يا سلعة الرحمن أين المشتريِ . فلقد عُرِضتِ بأيسر الأثمان ِ
يا سلعة الرحمن هل من خاطب ٍ فالمهرُ قبل الموتِ ذو إمكان
يا سلعة الرحمن لولا أنَّها حُجِبَتْ بكلِّ مكاره ِالإنسان
ِما كان قطُّ من متخلفٍ وتَعَلتْ دارُ الجزاءِ الثاني
لكنَّها حُجِبَتْ بكلِّ كريهةٍ ليُصدَّ عنها المبطلُ المتواني
وتنالها الهممُ التي تَسْمُو إلى ربِّ العلا بمشيئةِ الرحمن ِ
فاتْعَبْ ليوْم ِمعادِك الأدنى تَجِدْ راحاتهِ يومَ المعادِ الثاني
ولنذكر- الآن- طرفًا من بعض التكاليف التي قد حُفَّت بها الجنة مع مشقتها على النفس:
1-الجهاد في سبيل الله:
وهو فرض كفاية على المسلمين ليكفُّوا شرَّ الأعداء عن حوزة الإسلام, ولنشر تعاليم الدين السمحة, وفضله عظيم،فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِى سَبِيلِهِ ، لاَ يُخْرِجُهُ إِلاَّ الْجِهَادُ فِى سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ ، بِأَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ ، أَوْ يَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِى خَرَجَ مِنْهُ { مَعَ مَا نَالَ } مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ » [9] .
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « تَضَمَّنَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِى سَبِيلِهِ لاَ يُخْرِجُهُ إِلاَّ جِهَادًا فِى سَبِيلِى وَإِيمَانًا بِى وَتَصْدِيقًا بِرُسُلِى فَهُوَ عَلَىَّ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ أَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِى خَرَجَ مِنْهُ نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ. وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا مِنْ كَلْمٍ يُكْلَمُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهِ حِينَ كُلِمَ لَوْنُهُ لَوْنُ دَمٍ وَرِيحُهُ مِسْكٌ وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلاَ أَنْ يَشُقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا قَعَدْتُ خِلاَفَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَبَدًا وَلَكِنْ لاَ أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمِلَهُمْ وَلاَ يَجِدُونَ سَعَةً وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّى وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّى أَغْزُو فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ » [10] . الكلم: الجرح
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ » [11] .
وهو مع فرضيته وفضيلته إلا أنه مكروه على النفس, وذلك لأنَّ فيه مشقة وشدة, فإنَه إما أن يُقتل الإنسان أو يجرح, مع مشقة السفر ومجالدة الأعداء, ومع أن النفس تكرهه إلا أنه خيرٌ لها, لذا قال تعالى: ( كُتِبَ عليكم القتالُ وهو كُرْهٌ لَّكُم وعَسى أنْ تَكرهوا شَيْئًا وهو خَيرٌ لَّكم وعسى أنْ تُحبُّوا شيئًا وهو شرٌّ لكم والله يعلمُ وأنتم لا تعلمون) {البقرة:216} .
كَمَا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِالإِنْفَاقِ عَلَى اليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ لِحِمَايَةِ المُجْتَمَعِ مِنْ دَاخِلِهِ ، كَذلِكَ فَرَضَ اللهُ الجِهَادَ عَلَى المُسْلِمِينَ ، وَمُحَارَبَةِ أَعْدَاءِ الدِّينِ ، لِيَكُفُّوا عَنْ الجَمَاعَةِ المُسْلِمَةِ شَرَّ أَعْدَائِها . وَالجِهَادُ فَرْضُ كِفَايَة إِذَا قَامَ بِهِ بَعْضُ الأُمَّةِ سَقَطَ عَنِ البَاقِينَ ، وَالجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ غَزا أَوْ قَعَدَ ، فَالقَاعِدُ عَلَيهِ أَنْ يُعينَ إِذا اسْتَعَانَ بِهِ النَّاسُ ، وَأَنْ يُغيثَ إِذَا اسْتَغَاثُوا بِهِ ، وَأَنْ يَنْفِرَ إِذا اسُتُنْفِرَ .
وَيَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى: أَنَّ الجِهَادَ فِيهِ كُرْهٌ وَمَشَقَّةٌ عَلَى الأَنْفُسِ ، مِنْ تَحَمُّلِ مَشَقَّةِ السَّفَرِ ، إِلَى مَخَاطِرِ الحُرُوبِ وَمَا فِيهَا مِنَ جَرْحٍ وَقَتْلٍ وَأَسْرٍ ، وَتَرْكٍ لِلْعِيَالِ ، وَتَرْكٍ لِلتِّجَارَةِ وَالصَّنْعَةِ وَالعَمَلِ . . إلخ ، وَلكِنْ قَدْ يَكُونُ فِيهِ الخَيْرُ لأَنَّهُ قَدْ يَعْقُبُهُ النَّصْرُ وَالظَّفَرُ بِالأَعْدَاءِ ، وَالاستِيلاءُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَبِلاَدِهِمْ . وَقَدْ يُحِبُّ المَرْءُ شَيئًا وَهُوَ شَرٌّ لَهُ ، وَمِنْهُ القُعُودُ عَنِ الجِهَادِ ، فَقَدْ يَعْقُبُهُ استِيلاءُ الأَعْدَاءِ عَلَى البِلادِ وَالحُكْمِ ، وَاللهُ يَعْلَمُ عَوَاقِبَ الأُمُورِ أَكْثَرَ مِمَّا يَعْلَمُها العِبَادُ .
2-الصبر على النوائب, والرضا بقضاء الله:
قال تعالى: (أَمْ حَسِبتمْ أن تَدْخلُوا الجنَّة َوَلَمَّا يعلمِ اللهُ الذين جاهدوا منكم ويعلمَ الصابرين) {آل عمران:142}
وَلاَ تَحْسَبُوا أَنَّكُمْ تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَبِرَكُمُ اللهُ تَعَالَى وَيُمَحِّصَكُمْ فِي الشَّدَائِدِ وَالجِهَادِ لِيَرَى صِدْقَ إيمَانِكُمْ ، وَيَرَى مَنْ يَسْتَجِيبُ للهِ ، وَيُخْلِصُ فِي طَاعَتِهِ ، وَقِتَالِ أًَعْدَائِهِ ، وَيَصْبِرُ عَلَى مَكَارِهِ الحُرُوبِ .
وقال تعالى: (أَمْ حَسبْتُمْ أن تَدْخُلوا الجنَّة َوَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْا من قبلِكم مَّسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضراءُ وزُلْزِلُوا حتى يقولَ الرسولُ والذين آمنُوا مَعَهُ مَتَى نصرُ اللهِ أَلا إنَّ نَصْرَ اللهِ قريبٌ) {البقرة:214}
يُخَاطِبَ اللهُ تَعَالَى الذِينَ هَدَاهُمْ إِلى السِّلْمِ ، وَإِلَى الخُرُوجِ مِنْ ظُلْمَةِ الاخْتِلاَفِ ، إِلى نُورِ الوِفَاقِ ، بِاتِّبَاعِهِمْ هُدَى الكِتَابِ زَمَنَ التَّنْزيلِ ، الذِينَ يَظُنُّونَ مِنْهُمْ أَنَّ انْتِسَابَهُمْ إِلى الإِسْلاَمِ فِيهِ الكِفَايَةُ لِدُخُولِ الجَنَّةِ دُونَ أَنْ يَتَحَمَّلُوا الشَّدَائِدَ وَالأَذَى فِي سَبيلِ الحَقِّ ، وَهِدَايَةِ الخَلْقِ ، جَهْلًا مِنْهُمْ بِسُنَّةِ اللهِ تَعَالَى فِي أَهْلِ الهُدَى مُنْذُ أَنْ خَلَقَهُمْ . فَيَقُولُ لَهُمْ: هَلْ تَحْسَبُونَ أَنَّكُمْ تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ أَنْ تُبْتَلَوا وَتُخْتَبَرُوا كَمَا فُعِلَ بِالذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الأُمَمِ الذِينَ ابْتُلُوا بِالفَقْرِ ( البَأَسَاءُ ) ، وَبِالأَسْقَامِ وَالأَمْرَاضِ ( الضَّرَّاءُ ) ، وَخُوِّفُوا وَهُدَّدُوا مِنَ الأَعْدَاءِ ( زُلْزِلُوا ) ، وَامتُحِنُوا امْتِحَانًا عَظِيمًا ، وَاشْتَدَّتِ الأُمُورُ بِهِمْ حَتَّى تَسَاءَلَ الرَّسُولُ وَالمُؤْمِنُونَ قَائِلِينَ: مَتَى يَأْتِي نَصْرُ اللهِ .وَحِينَما تَثْبُتُ القُلُوبُ عَلَى مِثْلِ هذِهِ المِحَنِ المُزَلْزِلَةِ ، حِينَئِذٍ تَتِمُّ كَلِمَةُ اللهِ ، وَيَجِيءُ نَصْرُهُ الذِي يَدَّخِرُهُ لِمَنْ يَسْتَحِقُّهُ مِنْ عِبَادِهِ الذِينَ يَسْتَيْقِنُونَ أَنْ لاَ نَصْرَ إِلاَّ نَصْرُ اللهِ .
إنه مدخر لمن يستحقونه . ولن يستحقه إلا الذين يثبتون حتى النهاية . الذين يثبتون على البأساء والضراء . الذين يصمدون للزلزلة .الذين لا يحنون رؤوسهم للعاصفة . الذين يستيقنون أن لا نصر إلا نصر الله ، وعندما يشاء الله . وحتى حين تبلغ المحنة ذروتها ، فهم يتطلعون فحسب إلى { نصر الله } ، لا إلى أي حل آخر ، ولا إلى أي نصر لا يجيء من عند الله . ولا نصر إلا من عند الله .
بهذا يدخل المؤمنون الجنة ، مستحقين لها ، جديرين بها ، بعد الجهاد والامتحان ، والصبر والثبات ، والتجرد لله وحده ، والشعور به وحده ، وإغفال كل ما سواه وكل من سواه .
إن الصراع والصبر عليه يهب النفوس قوة ، ويرفعها على ذواتها ، ويطهرها في بوتقة الألم ، فيصفو عنصرها ويضيء ، ويهب العقيدة عمقًا وقوة وحيوية ، فتتلألأ حتى في أعين أعدائها وخصومها . وعندئذ يدخلون في دين الله أفواجًا كما وقع ، وكما يقع في كل قضية حق ، يلقى أصحابها ما يلقون في أول الطريق ، حتى إذا ثبتوا للمحنة انحاز إليهم من كانوا يحاربونهم ، وناصرهم أشد المناوئين وأكبر المعاندين . .
على أنه - حتى إذا لم يقع هذا - يقع ما هو أعظم منه في حقيقته . يقع أن ترتفع أرواح أصحاب الدعوة على كل قوى الأرض وشرورها وفتنتها ، وأن تنطلق من إسار الحرص على الدعة والراحة ، والحرص على الحياة نفسها في النهاية . . وهذا الانطلاق كسب للبشرية كلها ، وكسب للأرواح التي تصل إليه عن طريق الاستعلاء . كسب يرجح جميع الآلام وجميع البأساء والضراء التي يعانيها المؤمنون ، والمؤتمنون على راية الله وأمانته ودينه وشريعته .
وهذا الانطلاق هو المؤهل لحياة الجنة في نهاية المطاف . . وهذا هو الطريق . .
هذا هو الطريق كما يصفه الله للجماعة المسلمة الأولى ، وللجماعة المسلمة في كل جيل .
هذا هو الطريق: إيمان وجهاد . . ومحنة وابتلاء . وصبر وثبات . . وتوجه إلى الله وحده . ثم يجيء النصر . ثم يجيء النعيم . .
وابتلاء الله تعالى للعباد وامتحانهم إنَّما يكون لتنقيتهم وترقيتهم وليميز الخبيث من الطيب, قال تعالى: (ألم* أَحَسِبَ النَّاسُ أن يُتْرَكُوا أن يقولوا آمنَّا وهم لا يُفتنون*ولقد فتنَّا الذين من قبلهم فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الذين صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذبين) {العنكبوت:1-3} .
(1) - صحيح البخارى (1384 )
(2) - صحيح البخارى (6597 )
(3) - سنن أبى داود (4714 ) صحيح
(4) - صحيح البخارى (6599)
(5) - فتح الباري لابن حجر - (ج 4 / ص 462) وعون المعبود - (ج 10 / ص 230)
(6) - صحيح مسلم (7308 )
(7) - صحيح ابن حبان - (ج 16 / ص 406) (7394) صحيح
(8) - تفسير ابن كثير (2/399)
(9) - صحيح البخارى (3123 ) ومسلم (4969 )
(10) - صحيح مسلم (4967 )
(11) - صحيح مسلم (5040 )