فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 208

المبحث الثالث

ثمرات الإيمان باليوم الآخر

لما كانَ الإيمان باليوم الآخر أحدَ أصولِ الإيمان الستةِ التي لا يصحُّ إيمانُ مسلمٍ بدونها.

ولما لذلك الإيمانِ من أثرٍ في حياة المسلمِ وطاعته لأوامر الله (عزَّ و جلَّ) واجتنابِ نواهيه، ولما له من أثرٍ في صلاحِ القلوبِ وصلاحِ الناس وسعادتهِم في الدنيا والآخرة، ولما في نسيانِ ذلك اليوم العظيم ِوالغفلةِ عنه من خطرٍ على حياةِ الناس ومصيرهِم.. فلا غرابةَ إذن أن يردَ ذكرُ هذا اليوم كثيرًا في القرآن الكريم ، حتى لا تكاد تخلو منه صفحةٌ من صفحاتهِ.

وإذا كانَ الكتابُ والسنَّةُ قد اهتما غاية الاهتمامِ بتفاصيل ذلك اليوم المشهودِ، وبأحوال هذا النبأ العظيم؛ فإنه من الحمقِ والجهلِ ألا نهتمَّ بما اهتمَّ به الوحيانِ.

إنَّ أعظمَ قضيةٍ يجبُ أن ينشغلَ بها كلُّ واحد منا هي: قضيةُ وجودهِ وحياتهِ والغايةِ منها، وقضيةُ مستقبلهِ ومصيرهِ وشقائهِ وسعادتهِ، فلا يجوزُ أن يتقدمَ ذلك شيءٌ مهما كان، فكلُّ أمر دونه هينٌ ،وكلُّ خطبٍ سواه حقيرٌ. وهل هناكَ أعظمُ وأفدح ُمن أن يخسرَ الإنسانُ حياتَه وأهلَه، ويخسرَ مع ذلك سعادتَه وسعادتَهم، فماذا يبقى بعد ذلك؟ قال تعالى: {فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} (15) سورة الزمر . وقال تعالى: {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ} (45) سورة الشورى .

وأهميةُ هذا الموضوع تتجلَّى فيما يلي:

1-انفتاح الدنيا الشديد على كثير من الناس في هذا الزمان وما صحب ذلك من مكر الليل والنهار بأساليب جديدة ودعايات خبيثة تزين الدنيا في أعين الناس وتصدهم عن الآخرة، ومع ما كان عليه صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الإيمان والتقوى، فقد كانَ يحذرهم من الاغترار بالدنيا وضرورة الاستعداد للآخرة، مع أنَّ الدنيا لم تنفتحْ عليهم مثل اليوم، فلا شكَّ ولا ريبَ أننا أحوجُ منهم بكثير إلى أن نتذكرَ الآخرة ويذكّرَّ بعضُنا بعضًا، بعظمةِ شأنها وأهمية الاستعداد لها.

2-ركونُ كثيرٍ من الناس للدنيا، ولقد ترتبَ على ذلك أن قستِ القلوب، وتحجرتِ الأعينِ، وهُجِرَ كتابُ الله (عز وجل) ، وإذا قرأ أحدُنا القرآن قرأهُ بقلب لاهٍ، فأنَّّى لمثل ذلك القلب أن يخشعَ لذكر اللهِ؟ وأنَّّى لعينيهِ أن تمعَ خوفًا من الله، وقد انعكس ذلك على الصلاةِ ، فقلّ الخاشعونَ والمطمئنون فيها.. والله المستعان.

3-لما في تذكُّرِ ذلك اليومِ ومشاهدهِ العظيمةِ من حثٍّ على العملِ الصالحِ ، والمبادرةِ لفعل الخيراتِ وترك المنكراتِ ، بل ما تكاسلَ المتكاسلون في عمل الصالحات سواءٌ الواجب منها والمسنونُ إلا بسببِ الغفلةِ عن الآخرة والانشغالِ عنها، يقول تعالى في وصف عباده الصالحين: {رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} (37) سورة النور ، وقال تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} (9) سورة الزمر.

4-لمَّا ظهرَ في عصرنا اليومَ من المشكلاتِ المعقدةِ والأمراضِ المزمنةِ، التي نشأتْ عنها الأمراضُ النفسيةُ المتنوعةُ من القلقِ والاكتئابِ، اللذين يؤديانِ غالبًا إلى حياةٍ يائسةٍ، ومن أسبابِ ذلك: البعدُ عن الله تعالى، وعن تذكُّرٍ اليومِ الآخر.

5-لمَّا تميزَ به زماننا اليومَ من كثرةِ المظالم في بعض المجتمعاتِ واعتداءِ الناس بعضهم على بعضٍ، من أكلٍ لأموالٍ غيرهِم بدونِ وجهِ حقٍّ، وكذلك النيلُ من الأعراضِ، والحسدِ والتباغضِ، والفرقةِ والاختلافِ، وبخاصة بين بعضَ الدعاةِ وطلبةِ العلم، ولا شكَّ أنه لا شيءَ مثلَ تذكرِ اليومِ الآخرِ، وتذكُّرِ الوقوف بين يدي الله (عز وجل) علاجًا لتلك الأمراضٍ.

6-ولما كان الركونُ إلى الدنيا والغفلةُ عن الآخرةِ من أعظمِ الأسبابِ في وهن النفوس وضعفها كان لا بدَّ من التذكيرِ المستمرِّ بذلك اليوم ،وما فيه من نعيمٍ أو جحيمٍ، لأنَّ في هذا التذكير أكبرَ الأثر في نشاط الهممِ وعدم الاستسلامِ للوهنِ واليأسِ رجاءَ ثواب اللهِ (عزَّ وجلَّ) وما أعدَّهُ للمجاهدين في سبيله الداعين إليه.

7-ولمَّا قلَّ في برامجِ الدعوةِ والتربيةِ الاعتناءُ بهذه الجانب العظيمِ من التربية مما له الأثرُ الكبيرُ في الاستقامةِ على الجادة ، والدعوةِ إلى الله على بصيرةٍ، ولكنْ نرى من بعضِ المهتمينَ بالدعوة من يستهينُ بهذا الجانبِ العظيمِ حتى صارَ بعضُهم يقللُ من أثرِ التذكرةِ بالآخرة بقوله: إن هذا الأمرَ يغلبُ عليه الوعظُ أو هذا مقالٌ عاطفيٌّ وعظيٌّ ... إلخ.. مع أنَّ المتأملَ لكتابِ الله (سبحانه) وسنَّةِ رسوله - صلى الله عليه وسلم - يرَى بجلاءٍ جانبَ الوعظِ بارزًا بالربطِ بين الدنيا والآخرةِ والثوابِ والعقابِ.. نسأل اللهَ أن يهدينا جميعًا ،وأنْ يوفقَنا للاقتداءِ بالسنَّةِ والسيرِ على نهجِها.

الآثارُ المرجوةُ لليقين باليوم الآخر:

إنَّ في اليقين باليوم الآخر وأنبائه العظيمة لآثارًا واضحةً وثمارًا طيبةً، لابدَّ أن تظهر في قلب العبد وعلى لسانه وجوارحه، وفي حياته كلِّها، ولكنَّ هذا اليقين وحده لا يكفي حتى ينضمَّ إليه الصبر ومجاهدة الشهوات والعوائقِ، لأن الواحد منا ـ مع يقينهِ باليوم الآخر وأهواله ـ يرى في حياته أن ثمراتِ هذا اليقين ضعيفةٌ، فلابد إذن من سببٍ لهذا الأمر.

وهناك ثمرات كثيرة للإيمان باليوم الآخر ومنها:

1-الإخلاصُ لله (عز وجل) والمتابعةُ للرسول - صلى الله عليه وسلم -:

إنَّ الموقنَ بلقاء الله (عز وجل) يوم الفزعِ الأكبر، لا تلقاهُ إلا حريصًا على أعماله، خائفًا من كل ما يحبطها من أنواعِ الشركِ الأكبر أو الشركِ الأصغر، حيث إنَّ الشرك َالأكبر يحبطُ جميعَ الأعمالِ، فتصير هباءً منثورًا، والشركُ الأصغر يحبطُ العملَ الذي حصل فيه هذا النوع من الشرك كيسير الرياء، والعُجب، والمنِّ، وطلب الجاهِ والشرف في الدنيا، فكلَّما كان العبدُ موقنًا بلقاء ربه كان منه الحرصُ الشديد على ألا تضيعَ منه أعمالُه الصالحةُ في موقف القيامة، يومَ أن يكون في أشدِّ الأوقات حاجةُ إليها؛ ولذلك فهو يجاهدُ نفسه بحمايةِ أعماله في الدنيا بالإخلاص فيها لله (تعالى) لعل َّ الله (عز وجل) أن ينفعه بها، كما أن اليقينَ بالرجوعِ إلى الله (عز وجل) يجعلُ العبد في أعماله كلِّها متبعًا للرسول - صلى الله عليه وسلم - غيرَ مبتدع ولا مبدلٍ؛ لأن الله (عز وجل) لا يقبلُ من العملِ إلا ما كان خالصًا صوابًا، قال (تعالى) :- (( قُلْ إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إلَيَّ أَنَّمَا إلَهُكُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ) ) [الكهف: 110] .

2-الحذرُ من الدنيا والزهدُ فيها والصبرُ على شدائدها وطمأنينةُ القلب وسلامتُه:

إذا أكثرَ العبدُ ذكر الآخرة، وكانت منه دائمًا على بالٍ، فإنَّ الزهدَ في الدنيا والحذرَ منها ومن فتنتها سيحلانِ في القلبِ، وحينئذٍ لا يكترثُ بزهرتِها، ولا يحزن على فواتها، ولا يمدنَّ عينيه إلى ما متَّع الله به بعض عباده من نعم ليفتنهم فيها، قال تعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} (131) سورة طه ، وهذه الثمرةُ يتولد عنها بدورها ثمارٌ أخرى مباركةٌ طيبةٌ منها: القناعةُ، وسلامةُ القلب من الحرص والحسد والغلِّ والشحناء؛ لأن الذي يعيشُ بتفكيره في الآخرة وأنبائِها العظيمة لا تهمُّه الدنيا الضيقةُ المحدودةُ، مع ملاحظة أن إيمانَ المسلم ِباليوم الآخر وزهدَه في الدنيا لا يعني انقطاعَه عنها وعدم ابتغاءِ الرزق في أكنافِها؛ يقول (تعالى) : {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} (77) سورة القصص

كما يتولدُ أيضا من هذا الشعور، الراحةُ النفسيةُ والسعادةُ القلبية ُ،وقوة ُالاحتمال والصبرُ على الشدائد والابتلاءات، ذلك للرجاء فيما عند الله (عز وجل) من الأجرِ والثواب، وأنه مهما جاء من شدائدَ الدنيا فهي منقطعةٌ ولها أجلٌ، فهو ينتظرُ الفرجَ ويرجو الثواب الذي لا ينقطعُ يوم الرجوعِ إلى الله (عز وجل) ، قال (تعالى) : {وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} (104) سورة النساء ، وما إن ْيفقدُ القلبُ هذه المعاني حتى يخيمَ عليه الهمُّ والتعاسةُ، ومن هنا ينشأُ القلقُ والانزعاج ُوالضيقُ والحزنُ، أما ذاك الذي عرف الدنيا على حقيقتِها، وامتلأ قلبهُ بهمِّ الآخرة وأنبائها، فإن نفسَه لا تذهبُ على الدنيا حسراتٍ، ولا تنقطعُ نفسه لهثًا في طلبها، ولا يأكلُ قلبَه الغلُّ والحسدُ والتنافسُ فيها، ولا يقلُّ صبرُه ولا يجزعُ قلبهُ عند المحنِ والشدائد، ومهما حُرِم في هذه الدنيا الفانية ِ ، فهو يعلمُ أنَّ للهِ (عز وجل) في ذلك الحكمةَ البالغةَ، وهو يرجو الأجرَ يوم القيامة، قال (تعالى) : { وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35) } [الزخرف/33-35] .

3-التزودُ بالأعمال الصالحة وأنواع القربات ِ،واجتنابُ المعاصي والمبادرةُ بالتوبة والاستغفار:

فهو راجٍ خائفٌ، والسائرُ على الطريق إذا خافَ أسرع السير مخافة الفواتِ.

عن بُكَيْرَ بْنِ فَيْرُوزَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَنْ خَافَ أَدْلَجَ وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ أَلاَ إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ أَلاَ إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ » (أخرجه الترمذي) [1] .

وهو (سبحانه) كما جعل الرجاء لأهل الأعمال الصالحة، فكذلك جعل الخوفَ لأهل الأعمال الصالحة، فعُلم أن الرجاءَ والخوفَ النافع ما اقترنَ به العمل، قال (تعالى) : (( إنَّ الَذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ(57) وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ )) [المؤمنون: 57- 61] .

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ الْهَمْدَانِىِّ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَتْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ هَذِهِ الآيَةِ (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) قَالَتْ عَائِشَةُ أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ قَالَ « لاَ يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لاَ يُقْبَلَ مِنْهُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِى الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ » ( أخرجه الترمذي) [2] .

واللهُ سبحانه وصفَ أهلَ السعادة بالإحسانِ مع الخوفِ، ووصفَ الأشقياء بالإساءةِ مع الأمن [3] .قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61) ْ [المؤمنون/57-61] ، وقال تعالى: (( إنَّ الَذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ) [البقرة: 218] .

4-الدعوةُ إلى الله عز وجل والجهادِ في سبيله:

إنهما من أفضل القرباتِ والأعمال الصالحةِ ، وأثرهما عظيمٌ في إنقاذ الناس بإذن ربهم من الظلماتِ إلى النور، قال تعالى: (( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وَعمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ ) ) [ فصلت: 33]

وفي الجهاد أيضًا: حقيقةُ الزهد في الحياة الدنيا، وفيه أيضًا: حقيقةُ الإخلاص؛ فإنَّ الكلام فيمن جاهدَ في سبيلِ الله، لا في سبيلِ الرياسةِ، ولا في سبيل المالِ، ولا في سبيل الحميَّةِ.. وهذا لا يكون إلا لمن قاتلَ ليكون الدينُ كلُّه لله، ولتكونَ كلمةُ الله هي العليا، وأعظمُ مراتب الإخلاصِ: تسليمُ النفس والمالِ للمعبود، كما قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112) } [التوبة/111-112] .

"و في الحديث عن الجهادِ في سبيل الله عز وجل، ومحاربةِ الفساد وتعبيدِ الناس لربِّ العالمين أكبرُ ردٍّ على الذين يرونَ أن التعلقَ باليومِ الآخر والاستعدادَ له يعني اعتزالَ الناسِ، وتركَ الدنيا لأهلها، والاشتغالَ بالنفس وعيوبِها، وتركَ الحياةِ يأسن فيها أهلُها.قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (32) سورة الأعراف"

فما يستيقنٌ أحد من لقاءِ الله في الآخرة؛ وهو يعي حقيقةَ هذا الدين، ثم يعيشُ في هذه الحياةِ سلبيًّا أو متخلفًا أو راضيًا بالشرِّ والفسادِ. إنما يزاولُ المسلمُ هذه الحياة الدنيا، وهو يشعرُ أنه أكبرُ منها وأعلَى، ويستمتعُ بطيباتِها أو يزهدُ فيها وهو يعلمُ أنها حلالٌ في الدنيا خالصةً له يوم القيامة.، ويكافحُ الشرَّ والفسادَ والظلم محتملًا الأذى والتضحيةَ حتى الشهادةِ، وهو إنما يقدِّمُ لنفسهِ في الآخرةِ، إنه يعلم من دينهِ أن الدنيا مزرعةُ الآخرةِ، وأن ليس هنالكَ طريقٌ للآخرة لا يمرُّ بالدنيا، وأن الدنيا صغيرةٌ زهيدةٌ، ولكنها منْ نعمةِ الله التي يجتازُ منها إلى نعمةِ الله الكبرَى" [4] "

5-اجتنابُ الظلم بشتَّى صوره:

نظرًا لكثرة الظلم والشحناء بين المسلمين في عصرنا الحاضر، وأنه لا شيء يمنع النفسَ من ظلم غيرها في نفس أو مال أو عرض: كاليقينِ بالرجوع إلى الله عز وجل، وإعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقه، وإنصافِ المظلوم ممن ظلمه، فإذا تذكرَ العبد هذا الموقفَ العصيبَ الرهيب، وأنه لا يضيعُ عند الله شيء، كما قال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ } (47) سورة الأنبياء، وقوله تعالى: {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} (111) سورة طه ، إذا تذكر َهذه المواقف واتعظ بهذه الآيات، وأيقنَ بتحققها فلا شكَّ أن ذلك سيمنعُه من التهاونِ في حقوق الخلق، والحذرِ من ظلمهم في دمِ أو مال أو عرض، خاصةًّ وأن حقوقَ العباد مبنيةٌ على المشاحَّة والحرصِ على استيفاء الحقِّ من الخصم، وبالذاتِ في يوم الهولِ الأعظمِ الذي يتمنَّى العبد فيه أن يكون له مظلمةٌ عند أمه وأبيه وصاحبته وبنيه، فضلًا عن غيرهم من الأباعد، ومعلومٌ أن التقاضي هنالك ليس بالدينار والدرهم، ولكن بالحسنات والسيئات. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لأَحَدٍ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَىْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ ، قَبْلَ أَنْ لاَ يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ » (أخرجه البخاري) [5] .و عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ » . قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ. فَقَالَ « إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِى يَأْتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِى قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِى النَّارِ » (أخرجه مسلم) [6] .

وقال تعالى: { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31) [الزمر/30، 31] } .

6-حصولُ الأمن والاستقرارِ والألفةِ بين الناس بالحكمِ بشريعة الله:

إنَّ مجتمعًا يسودُ بين أهله الإيمانُ بالله عز وجل واليقينَ بالآخرة والجزاء والحساب، لا شكَّ أنه مجتمعٌ تسودُه المحبةُ ويعمُّه السلامُ؛ لأنَّ تعظيم اللهِ سبحانه سيجعلُ هذه النفوسَ لا ترضى بغير شرعِ الله عز وجل بديلًا، ولا تقبلُ الاستسلامَ إلا لحكمِه، وهذا بدورهِ سيُضفي الأمنَ والأمانَ على مثل هذه المجتمعاتِ، لأن أهلَها يخافونَ الله ويخافونَ يوم الفصل والجزاء، فلا تحاكم َإلا لشرعِ الله، ولا تعاملَ إلا بأخلاقِ الإسلام الفاضلةِ: فلا خيانةَ ولا غشَّ ولا ظلمَ، ولا يعني هذا أنه لا يوجدُ في المجتمعاتِ المسلمةِ من يظلمُ أو يخونُ أو يغشَّ، فهذا لم يسلمْ منه عصرُ النبوة ولا الخلافةِ الراشدة، لكنَّ هذه المعاصي تبقَى فرديةً، يؤدَّبُ أفرادُها بحكم ِالله عز وجل وحدوده، إذا لم يردعْهم وازع ُالدين والخوفِ من الله، والحالاتُ الفرديةُ تلك ليستْ عامةً، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} (82) سورة الأنعام ، وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209) } [البقرة/208، 209] ..

أما عندما يقلُّ الوازعُ الدينيُّ والخوفُ من الآخرةِ، ويكونُ التحاكمُ إلى أهواءِ البشر وحكمِهم فهذا هو البلاءُ العظيمُ والفسادُ الكبيرُ: حيثُ تداسُ القيم ُوالحرماتُ، ويأكلُ القويُّ الضعيفَ، وبالتالي: لا يأمنُ الناسُ على أديانهِم ولا أنفسهِم ولا أموالهِم ولا أعراضهِم، وكفى بذلك سببًا في عدمِ الأمنِ والاستقرارِ، وانتشارِ الخوف، واختلالِ حياةِ الناس.

7-تقصير الأمل وحفظ الوقت:

إنَّ من أخطر الأبواب التي يدخل منها الشيطان على العبد: طولَ الأمل، والأمانيَّ الخادعة التي تجعل صاحبها في غفلةٍ شديدة عن الآخرة، واغترارٍ بزينة الحياة الدنيا، وتضييعِ ساعات العمر النفيسة في اللهثِ وراءها حتى يأتي الأجلُ الذي يقطع هذه الآمال، وتذهبُ النفس حسراتٍ على ما فرطت في عمرها، وأضاعتْ من أوقاتها. ولكنَّ اليقين بالرجوع إلى الله عز وجل، والتذكر َالدائم لقِصر الحياة الدنيا وأبديةِ الآخرة وبقائها، هو العلاجُ الناجعُ لطول الأملِ وضياع الأوقاتِ.و قَالَ عَلِيٌّ: إنَّمَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ اثْنَتَيْنِ: طُولَ الأَمَلِ , وَاتِّبَاعَ الْهَوَى , فَإِنَّ طُولَ الأَمَلِ يُنْسِي الآخِرَةَ ، وَإِنَّ اتِّبَاعَ الْهَوَى يَصُدُّ ، عَنِ الْحَقِّ ، وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَرَحَّلَتْ مُدْبِرَةً ، وَإِنَّ الآخِرَةَ مُقْبِلَةٌ وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ , فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ ، وَلاَ حِسَابَ , وَغَدًا حِسَابٌ ، وَلاَ عَمَلَ ."أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه [7] "

(1) - برقم ( 2638) وهو صحيح = أدلج: سار ليلا

(2) - برقم (3475 ) وهو صحيح

(3) - الجواب الكافي، ص 57، 58.

(4) - انظر اليوم الآخر في ظلال القرآن، ص6.

(5) -برقم (2449 )

(6) - برقم (6744 )

(7) - برقم (34489 ) وفيه راو مبهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت