يتفاوت حساب العباد فبعض العباد يكون حسابهم عسيرا وهؤلاء هم الكفرة المجرمون الذين أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ، وتمردوا على شرع الله وكذبوا الرسل، ،وبعض عصاة الموحدين قد يطول حسابهم ويعسر، بسبب كثرة الذنوب وعظمها، وبعض العباد يدخلون الجنة بغير حساب وهم فئة قليلة لا يجاوزون السبعين ألفا مع كل ألف سبعون ألفًا، وهم الصفوة من هذه الأمة ،والقمم الشامخة في الإيمان والتقى والصلاح والجهاد. وبعض العباد يحاسبون حسابا يسيرا وهؤلاء لا يناقشون الحساب ، أي لا يدقق ولا يحقق معهم ، وإنما تعرض عليهم ذنوبهم ثم يتجاوز لهم عنها، وهذا معنى قوله تعالى (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ(7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) [الانشقاق/7-9] ) ،
فَأَمَّا مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ سِجِلُّ عَمَلِهِ فَتَنَاوَلَهُ بِيَدِهِ اليُمْنَى .فَإِنَّهُ يُحَاسَبُ أَيْسَرَ حِسَابٍ ، إِذْ يُثِيبُهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ مِنْ أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ ، وَيَتَجَاوَزُ الرَّحْمَنُ عَمَّا كَانَ مِنْهُ مِنْ هَفَوَاتٍ . وَمَنْ حُوِسبَ هَذَا الحِسَابَ اليَسِيرَ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ المُؤْمِنِينَ مَسْرُورًا مُبْتَهِجًا قَائِلًا: { هَآؤُمُ اقرؤا كِتَابيَهْ } .
وعن عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ هَلَكَ » . فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ( فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « إِنَّمَا ذَلِكِ الْعَرْضُ ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُنَاقَشُ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ عُذِّبَ » [1] .
وعَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ: مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ، فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق] ، قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ هَلَكَ. [2]
وعَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ إِلاَّ هَلَكَ » . قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِى اللَّهُ فِدَاءَكَ ، أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ) . قَالَ « ذَاكَ الْعَرْضُ يُعْرَضُونَ ، وَمَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ » [3] .
وعَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ: مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ، فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق] ، قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ هَلَكَ. [4]
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ:"يُحَاسَبُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَمَنْ كَانَتْ حَسَنَاتُهُ أَكْثَرَ مِنْ سَيِّئَاتِهِ بِوَاحِدَةٍ دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَمَنْ كَانَتْ سَيِّئَاتُهُ أَكْثَرَ مِنْ حَسَنَاتِهِ بِوَاحِدَةٍ دَخَلَ النَّارَ"، ثُمَّ قَرَأَ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ثُمَّ قَالَ:"إِنَّ الْمِيزَانَ يَخِفُّ بِمِثْقَالِ حَبَّةٍ ، أَوْ يَرْجُحُ ، قَالَ: وَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ ، فَوَقَفُوا عَلَى الصِّرَاطِ ، ثُمَّ عَرَفُوا أَهْلَ الْجَنَّةِ ، وَأَهْلَ النَّارِ ، فَإِذَا نَظَرُوا إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ نَادَوْا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ، وَإِذَا صَرَفُوا أَبْصَارَهُمْ إِلَى يَسَارِهِمْ نَظَرُوا إِلَى أَصْحَابِ النَّارِ ، قَالُوا: رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ مَنَازِلِهِمْ ، قَالَ: فَأَمَّا أَصْحَابُ الْحَسَنَاتِ فَإِنَّهُمْ يُعْطَوْنَ نُورًا يَمْشُونَ بِهِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ ، وَيُعْطَى كُلُّ عَبْدٍ يَوْمَئِذٍ نُورًا ، وَكُلُّ أُمَّةٍ نُورًا ، فَإِذَا أَتَوْا عَلَى الصِّرَاطِ سَلَبَ اللَّهُ نُورَ كُلِّ مُنَافِقٍ وَمُنَافِقَةٍ ، فَلَمَّا رَأَى أَهْلُ الْجَنَّةِ مَاذَا لَقِيَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا: أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَأَمَّا أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ فَإِنَّ النُّورَ كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ ، وَمَنَعَتْهُمْ سَيِّئَاتُهُمْ أَنْ يَمْضُوا بِهَا ، فَبَقِيَ فِي قُلُوبِهِمُ الطَّمَعُ ، إِذْ لَمْ يُنْزَعِ النُّورُ مِنْ أَيْدِيهِمْ ، فَبِذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ فَكَانَ الطَّمَعُ النُّورَ فِي أَيْدِيهِمْ ، ثُمَّ أُدْخِلُوا بَعْدَ ذَلِكَ الْجَنَّةَ ، وَكَانُوا آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا"، قَالَ: وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ:"إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً كُتِبَ لَهُ بِهَا عَشْرًا ، وَإِذَا عَمِلَ سَيِّئَةً لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ إِلَّا وَاحِدَةٌ ، ثُمَّ يَقُولُ: هَلَكَ مَنْ غَلَبَتْ وَحْدَاتُهُ أَعْشَارَهُ" [5]
وفي الفتح: قَوْله ( لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا هَلَكَ ، ثُمَّ قَالَ أَخِيرًا: وَلَيْسَ أَحَدٌ يُنَاقَشُ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا عُذِّبَ )
وَكِلَاهُمَا يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ لِأَنَّ الْمُرَاد بِالْمُحَاسَبَةِ تَحْرِيرُ الْحِسَابِ فَيَسْتَلْزِمُ الْمُنَاقَشَةَ وَمَنْ عُذِّبَ فَقَدْ هَلَكَ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي"الْمُفْهِمِ"قَوْله"حُوسِبَ"أَيْ حِسَابَ اِسْتِقْصَاءٍ وَقَوْلُهُ"عُذِّبَ"أَيْ فِي النَّارِ جَزَاءً عَلَى السَّيِّئَاتِ الَّتِي أَظْهَرَهَا حِسَابُهُ ، وَقَوْله"هَلَكَ"أَيْ بِالْعَذَابِ فِي النَّارِ . قَالَ: وَتَمَسَّكَتْ عَائِشَةُ بِظَاهِرِ لَفْظِ الْحِسَابِ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ .
قَوْله ( يُنَاقَش الْحِسَابَ ) بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ وَالتَّقْدِيرُ يُنَاقَشُ فِي الْحِسَابِ .
قَوْله ( إِنَّمَا ذَلِك الْعَرْضُ ) قَالَ الْقُرْطُبِيّ: مَعْنَى قَوْله"إِنَّمَا ذَلِك الْعَرْضُ"أَنَّ الْحِسَابَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ إِنَّمَا هُوَ أَنْ تُعْرَضَ أَعْمَالُ الْمُؤْمِنِ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْرِفَ مِنَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي سَتْرِهَا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَفِي عَفْوِهِ عَنْهَا فِي الْآخِرَةِ كَمَا فِي حَدِيث اِبْنِ عُمَرَ فِي النَّجْوَى ، قَالَ عِيَاضٌ: قَوْله"عُذِّبَ"لَهُ مَعْنَيَانِ أَحَدهمَا أَنَّ نَفْسَ مُنَاقَشَةِ الْحِسَابِ وَعَرْض الذُّنُوبِ وَالتَّوْقِيف عَلَى قَبِيح مَا سَلَفَ وَالتَّوْبِيخ تَعْذِيب ، وَالثَّانِي أَنَّهُ يُفْضِي إِلَى اِسْتِحْقَاق الْعَذَابِ إِذْ لَا حَسَنَةَ لِلْعَبْدِ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِإِقْدَارِهِ عَلَيْهَا وَتَفْضِيلِهِ عَلَيْهِ بِهَا وَهِدَايَته لَهَا وَلِأَنَّ الْخَالِص لِوَجْهِهِ قَلِيلٌ ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الثَّانِيَ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى"هَلَكَ"
وَقَالَ النَّوَوِيّ: التَّأْوِيل الثَّانِي هُوَ الصَّحِيح لِأَنَّ التَّقْصِير غَالِبٌ عَلَى النَّاسِ ، فَمَنْ اُسْتُقْصِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُسَامَحْ هَلَكَ . وَقَالَ غَيْره: وَجْه الْمُعَارَضَة أَنَّ لَفْظ الْحَدِيث عَامٌّ فِي تَعْذِيب كُلّ مَنْ حُوسِبَ وَلَفْظ الْآيَة دَالٌّ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ لَا يُعَذَّبُ ؛ وَطَرِيق الْجَمْع أَنَّ الْمُرَاد بِالْحِسَابِ فِي الْآيَة الْعَرْض وَهُوَ إِبْرَاز الْأَعْمَال وَإِظْهَارهَا فَيُعَرِّف صَاحِبهَا بِذُنُوبِهِ ثُمَّ يَتَجَاوَز عَنْهُ ، وَيُؤَيِّدهُ مَا وَقَعَ عِنْد الْبَزَّار وَالطَّبَرِيّ مِنْ طَرِيق عَبَّاد بْن عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر"سَمِعْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ تَقُولُ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ الْحِسَابِ الْيَسِيرِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْحِسَابُ الْيَسِيرُ فَقَالَ الرَّجُلُ تُعْرَضُ عَلَيْهِ ذُنُوبُهُ ثُمَّ يُتَجَاوَزُ لَهُ عَنْهَا إِنَّهُ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ وَلَا يُصِيبُ عَبْدًا شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا قَاصَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ" [6]
وَفِي حَدِيث جَابِر عِنْد اِبْن أَبِي حَاتِم وَالْحَاكِم""شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي"فَقُلْتُ: مَا هَذَا يَا جَابِرُ قَالَ: نَعَمْ يَا مُحَمَّدُ إِنَّهُ مَنْ زَادَ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ، وَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ فَذَلِكَ الَّذِي يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ، ثُمَّ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ ، وَإِنَّمَا شَفَاعَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِمَنْ أَوْبَقَ نَفْسَهُ وَأَغْلَقَ ظَهْرَهُ" [7]
وعَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ فِى النَّجْوَى قَالَ « يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا . فَيَقُولُ نَعَمْ . وَيَقُولُ عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا . فَيَقُولُ نَعَمْ . فَيُقَرِّرُهُ ثُمَّ يَقُولُ إِنِّى سَتَرْتُ عَلَيْكَ فِى الدُّنْيَا ، فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ" [8] "
وَجَاءَ فِي كَيْفِيَّة الْعَرْضِ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَة عَلِىّ بْن عَلِيٍّ الرِّفَاعِيِّ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلاَثَ عَرَضَاتٍ فَأَمَّا عَرْضَتَانِ فَجِدَالٌ وَمَعَاذِيرُ وَأَمَّا الْعَرْضَةُ الثَّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطِيرُ الصُّحُفُ فِى الأَيْدِى فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وَآخِذٌ بِشِمَالِهِ » . قَالَ أَبُو عِيسَى وَلاَ يَصِحُّ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ عَلِىِّ بْنِ عَلِىٍّ الرِّفَاعِىِّ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِى مُوسَى عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - . قَالَ أَبُو عِيسَى وَلاَ يَصِحُّ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِى مُوسَى. اِنْتَهَى [9] . وَهُوَ عِنْد اِبْن مَاجَهْ وَأَحْمَد مِنْ هَذَا الْوَجْه مَرْفُوعًا [10] ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْث بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود مَوْقُوفًا ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ: الْجِدَالُ لِلْكُفَّارِ يُجَادِلُونَ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ رَبَّهُمْ فَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ إِذَا جَادَلُوا نَجَوْا ، وَالْمَعَاذِيرُ اِعْتِذَارُ اللَّهِ لِآدَمَ وَأَنْبِيَائِهِ بِإِقَامَتِهِ الْحُجَّةَ عَلَى أَعْدَائِهِ ، وَالثَّالِثَة لِلْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ الْعَرْضُ الْأَكْبَرُ . [11]
القرطبي مصورًا مشهد الحساب [12] :
"فإذا بعث العباد من قبورهم إلى الموقف ، وقاموا فيه ما شاء الله ، حفاة عراة ، وجاء وقت الحساب الذي يريد الله أن يحاسبهم فيه ، أمر بالكتب التي كتبها الكرام الكاتبون بذكر أعمال الناس فأتوها ، فمنهم من يؤتى كتابه بيمينه ، فأولئك هم السعداء ومنهم من يؤتى كتابه بشماله أو وراء ظهره ، وهم الأشقياء ، فعند ذلك يقرأ كل كتاب به ,."
فتوهم نفسك يا أخي إذا تطايرت الكتب ، ونصبت الموازين ، وقد نوديت باسمك على رؤوس الخلائق: أين فلان بن فلان ؟ هلم إلى العرض على الله تعالى . وقد وكلت الملائكة بأخذك ، فقربتك إلى الله ، لا يمنعها اشتباه الأسماء باسمك واسم أبيك ، إذ عرفت أنك المراد بالدعاء إذا قرع النداء قلبك ، فعلمت أنك المطلوب ، فارتعدت فرائصك ، واضطربت جوارحك ، وتغير لونك ، وطار قلبك ، تخطى بك الصفوف إلى ربك للعرض عليه ، والوقوف بين يديه ، وقد رفع الخلائق إليك أبصارهم ، وأنت في أيديهم ، وقد طار قلبك ، واشتد رعبك ، لعلمك أين يراد بك.
فتوهم نفسك ، وأنت بين يدي ربك ، في يدك صحيفة مخبرة بعملك ، لا تغادر بلية كتمتها ، ولا مخبأة أسررتها ، وأنت تقرأ ما فيها بلسان كليل ، وقلب منكسر ، والأهوال محدقة بك من بين يديك ومن خلفك ، فكم من بلية قد كنت نسيتها ذكرتها ! وكم من سيئة قد كنت أخفيتها قد أظهرها وأبداها ! وكم من عمل ظننت أنه سلم لك وخلص فرده عليك في ذلك الموقف وأحبطه بعد أن كان أملك فيه عظيمًا !
فيا حسرة قلبك ، ويا أسفك على ما فرطت فيه من طاعة ربك .
فأما من أوتي كتابه بيمينه ، فعلم أنه من أهل الجنة ، فيقول: هاؤم اقرءوا كتابيه ، وذلك حين يأذن الله ، فيقرأ كتابه ، فإذا كان الرجل رأسا في الخير يدعو إليه ، ويأمر به ، ويكثر تبعه عليه ، دعي باسمه واسم أبيه ، فيتقدم حتى إذا دنى أخرج له كتاب أبيض ، في باطنه السيئات ، وفي ظاهره الحسنات ، فيبدأ بالسيئات فيقرؤها فيشفق ويصفر وجهه ويتغير لونه ، فإذا بلغ آخر الكتاب ، وجد فيه: هذه سيئاتك ، وقد غفرت لك ، فيفرح عند ذلك فرحًا شديدًا ، ثم يقلب كتابه فيقرأ حسناته ، فلا يزداد إلا فرحًا ، حتى إذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه: هذه حسناتك ، قد ضوعفت لك ، فيبيض وجهه ، ويؤتى بتاج ، فيوضع على رأسه ، ويكسى حلتين ، ويحلّى كل مفصل فيه ، ويطول ستين ذراعًا ، وهي قامة آدم . ويقال له: انطلق إلى أصحابك فبشرهم ، وأخبرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا ، فإذا أدبر قال: (هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ(19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20 ) ) قال الله تعالى: (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ(21 ) ) أي مرضية ، قد رضيها ( في جنة عالية ) في السماء ، ( قطوفها ) ثمارها وعناقيدها ( دانية ) أدنيت منهم . فيقول لأصحابه: هل تعرفوني ؟ فيقولون: قد غمرتك كرامة الله ، من أنت ؟ فيقول: أنا فلان بن فلان ، ليبشر كل رجل منكم بمثل هذا (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ) أي قدمتم في أيام الدنيا.
وإذا كان الرجل رأسًا في الشر يدعو إليه ، ويأمر به ، فيكثر تبعه عليه ، ونودي باسمه واسم أبيه ، فيتقدم إلى حسابه ، فيخرج له كتاب أسود ، بخط أسود ، في باطنه الحسنات ، وفي ظاهره السيئات ، فبدأ بالحسنات فيقرؤها ، ويظن أنه سينجو ، فإذا بلغ آخر الكتاب ، وجد فيه: هذه حسناتك ، وقد ردت عليك ، فيسود وجهه ، ويعلوه الحزن ، ويقنط من الخير ، ثم يقلب كتابه ، فيقرأ سيئاته ، فلا يزداد إلا حزنًا ، ولا يزداد وجهه إلا سوادًا . فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه: هذه سيئاتك ، وقد ضوعفت عليك ، أي يضاعف عليه العذاب ، ليس المعنى أنه يزداد ما لم يعمل . قال فيعظم إلى النار ، وتزرق عيناه ، ويسود وجهه ، ويكسى سرابيل القطران . ويقال له: انطلق إلى أصحابك فأخبرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا ، فينطلق وهو يقول: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ) يعني الموت (هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ) تفسير ابن عباس رضي الله عنهما: هلكت عني حجتي . قال الله تعالى: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ) أي اجعلوه يصلى الجحيم (ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ) قيل: يدخل عنقه فيها ، ثم يجربها ، ولو أن حلقة منها وضعت على جبل لذاب . فينادي أصحابه فيقول: هل تعرفوني ؟ فيقولون: لا ، ولكن قد نرى ما بك من الحزن . فمن أنت ؟ فيقول: أنا فلان بن فلان ، لكل إنسان منكم مثل هذا .
وأما من أوتي كتابه وراء ظهره ، تخلع كتفه اليسرى ، فيجعل يده خلفه ، فيأخذ بها كتابه . وقال مجاهد: يحول وجهه في موضع قفاه ، فيقرأ كتابه كذلك . فتوهم نفسك إن كنت من السعداء ، وقد خرجت على الخلائق مسرور الوجه ، قد حل بك الكمال والحسن والجمال ، كتابك في يمينك ، أخذ بضبعيك ملك ينادي على رؤوس الخلائق: هذا فلان بن فلان ، سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدًا .
وأما إن كنت من أهل الشقاوة ، فيسود وجهك ، وتتخطى الخلائق كتابك في شمالك ، أو من وراء ظهرك ، تنادي بالويل والثبور ، وملك أخذ بضبعيك ينادي على رؤوس الخلائق: ألا إن فلان بن فلان شقي شقاوة لا يسعد بها أبدًا .
الفصل الرابع
أنواع الشفاعة
دلت الأحاديث على أن هناك نوعان من الشفاعة التي تقع في ذلك اليوم:
النوع الأول: الشفاعة العظمى:
وهي المقام المحمود ، الذي يرغب الأولون والآخرون فيه إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليشفع إلى ربه كي يخلص العباد من أهوال المحشر
قال تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} (79) سورة الإسراء
قوله: { وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ } أي: صل به في سائر أوقاته. { نَافِلَةً لَكَ } أي: لتكون صلاة الليل زيادة لك في علو القدر، ورفع الدرجات، بخلاف غيرك، فإنها تكون كفارة لسيئاته.ويحتمل أن يكون المعنى: أن الصلوات الخمس فرض عليك وعلى المؤمنين، بخلاف صلاة الليل، فإنها فرض عليك بالخصوص، ولكرامتك على الله، أن جعل وظيفتك أكثر من غيرك، وليكثر ثوابك، وتنال بذلك المقام المحمود، وهو المقام الذي يحمده فيه الأولون والآخرون، مقام الشفاعة العظمى، حين يتشفع الخلائق بآدم، ثم بنوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، وكلهم يعتذر ويتأخر عنها، حتى يستشفعوا بسيد ولد آدم، ليرحمهم الله من هول الموقف وكربه، فيشفع عند ربه فيشفعه، ويقيمه مقامًا يغبطه به الأولون والآخرون، وتكون له المنة على جميع الخلق. [13]
(1) - صحيح البخارى (6537)
(2) - صحيح ابن حبان - (ج 16 / ص 369) (7369) صحيح
(3) - صحيح البخارى (4939 )
(4) - صحيح ابن حبان - (ج 16 / ص 369) (7369) صحيح
(5) - الزُّهْدُ وَالرَّقَائِقُ لِابْنِ الْمُبَارَكِ (2025) ضعيف
(6) - مسند أحمد (25515 ) صحيح
(7) - شَرْحُ أُصُولِ الاعْتِقَادِ (1671) حسن
(8) - صحيح البخارى (6070 )
(9) - سنن الترمذى (2612 ) و مسند أحمد (19715 )
(10) - سنن ابن ماجه (4418 )
(11) - فتح الباري لابن حجر - (ج 18 / ص 385)
(12) - التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة - (ج 1 / ص 332) فما بعدها
(13) - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 464)