الذي يظهر أن إسرافيل ينفخ في الصور مرتين ، الأولى يحصل بها الصعق ، والثانية يحصل بها البعث ، قال تعالى {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ } (68) سورة الزمر.
يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ هَوْلِ يَومِ القِيَامَةِ ، وَمَا يَكُونُ فِيهِ مِنَ الأَهْوَالِ العَظِيمَةِ ، والآيَاتِ والزَّلاَزِلِ ، وَيَقُولُ تَعَالَى إِنَّ الصُّورَ (وَهُوَ قَرْنٌ إِذَا نُفِخَ فِيهِ أَحْدَثَ صَوْتًا ) يُنْفَخُ فِيهِ نَفْخَتَانِ: نَفْخَةٌ يَمُوتُ فِيهَا الخَلْقُ وَمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ مِنَ المَخْلُوقَاتِ ، وَيُصْعَقُونَ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ مِنَ الصَعَقِ ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ فَيَقُومُ الخَلْقُ مِنْ قُبُورِهِمْ أَحْيَاءَ يَنْظُرُونَ حَوْلَهُمْ بَعْدَ أَنْ كَانُوا عِظَامًا وَرُفَاتًا .
وقد سمى القرآن النفخة الأولى بالراجفة ، والنفخة الثانية بالرادفة ، قال تعالى يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7) [النازعات/6-7] ) .
حِينَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ، فَتَرْجُفُ الأَرْضُ رَجْفَةً شَدِيدَةً تَتَحَرَّكُ مِنْهَا الجِبَالُ ، وَيُسْمَعُ لَهَا صَوْتٌ شَدِيدٌ .
ثُمَّ تَتْبَعُ النَّفْخَةَ الأُوْلَى نَفْخَةٌ ثَانِيَةٌ هِيَ الرَّادِفَةُ ، فَتُدَكُّ الأَرْضُ وَالجِبَالُ ، وَتَنْشَقُّ السَّمَاءُ ، وَتَنْتَثِرُ الكَوَاكِبُ ، وَيَبْعَثُ اللهُ الخَلاَئِقَ .
وفي موضع آخر سمى الأولى بالصيحة ، وصرح بالنفخ بالصور بالثانية، قال تعالى (مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ(49) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51) [يس/49-51] ) .
وَيَرُدُّ اللهُ تََعَالَى عَلَى سُؤَالِ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئينَ بِالرُّسُلِ: إِنَّهُمْ لاَ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ نَفْخَةً وَاحِدَةً في الصُّورِ فَتَأخُذُ جَمِيعَ من فِي الأَرْضِ مِنَ الخَلاَئِقِ بَغْتَةً ، وَهُمْ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَمَعَايِشِهِمْ ، يَتَجَادَلُونَ وَيَتَخَاصَمُونَ فِي شُؤُونِ الدُّنْيَا ، فَتَصْعَقُ الخَلاَئِق جَمِيعًا . فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَعْهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ إِلَى أَحَدٍ لِيرْعَاهَا لَهُمْ ( تَوْصِيَةً ) ، إِذ لا يُمْهَلُونَ لِذَلِكَ ، وَلاَ يَسْتَطِيعُ مَنْ كَانَ بَعِيدًا عَنْ دَارِهِ وَأَهْلِهِ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِمْ ، إِذْ تَبْغَتُ الصَّيْحَةُ الخَلاَئِقَ فَيَمُوتُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَيْثُ هُوَ قَائِمٌ
ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ أُخْرَى ( هِيَ نَفْخَةُ النُّشُورِ ) ، فَتَخْرُجُ الأَمْوَاتُ مِنَ القُبُورِ أَحْيَاءً ، وَيُسْرِعُونَ فِي الخُرُوجِ والمَشْيِ إِلَى المَحْشَرِ لِيَقِفُوا بَيْنَ يَدِي اللهِ تَعَالَى .
وقد جاءت الأحاديث النبوية مصرحة بالنفختين ، ففي صحيح البخاري ومسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ » . قَالَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا قَالَ أَبَيْتُ . قَالَ أَرْبَعُونَ شَهْرًا قَالَ أَبَيْتُ . قَالَ أَرْبَعُونَ سَنَةً قَالَ أَبَيْتُ . قَالَ « ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً . فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ لَيْسَ مِنَ الإِنْسَانِ شَىْءٌ إِلاَّ يَبْلَى إِلاَّ عَظْمًا وَاحِدًا وَهْوَ عَجْبُ الذَّنَبِ ، وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » [1] ..
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( ثُمَّ يُنْفَخُ فِى الصُّورِ فَلاَ يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلاَّ أَصْغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا - قَالَ - وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبِلِهِ - قَالَ - فَيَصْعَقُ وَيَصْعَقُ النَّاسُ ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ - أَوْ قَالَ يُنْزِلُ اللَّهُ - مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ أَوِ الظِّلُّ - نُعْمَانُ الشَّاكُّ - فَتَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) رواه مسلم [2] .
وذهب جمع من أهل العلم إلى أنها ثلاث نفخات ، هي نفخة الفزع ، ونفخة الصعق ، ونفخة البعث.
وممن ذهب هذا المذهب ابن العربي وابن تيمية وابن كثير والسفاريني، وحجة من ذهب هذا المذهب أن الله ذكر نفخة الفزع في قوله {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ } (68) سورة الزمر ، كما احتجوا ببعض الأحاديث التي نصت على أن النفخات ثلاث ، كحديث الصور الطويل ، الذي أخرجه الطبري وفيه (ينفخ فيه ثلاث نفخات: النفخة الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين) [3] .
أما استدلالهم بالآية التي تذكر نفخة الفزع فليست الآية صريحة على أن هذه نفخة ثالثة، إذ لا يلزم من ذكر الحق تبارك وتعالى للفزع الذي يصيب من في السماوات والأرض عند النفخ في الصور أن تجعل هذه نفخة مستقلة ، فالنفخة الأولى تفزع الأحياء قبل صعقهم ، والنفخة الثانية تفزع الناس عند بعثهم . أما حديث الصور فهو حديث ضعيف مضطرب كما يقول الحجة في علم الحديث ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى ، ونقل تضعيفه عن البيهقي أيضًا .
وزَعَمَ اِبْنُ حَزْمٍ أَنَّ النَّفَخَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَرْبَعٌ:
الْأُولَى: نَفْخَةُ إِمَاتَةٍ يَمُوتُ فِيهَا مَنْ بَقِيَ حَيًّا فِي الْأَرْضِ .
وَالثَّانِيَةُ نَفْخَةُ إِحْيَاءٍ يَقُومُ بِهَا كُلُّ مَيِّتٍ وَيُنْشَرُونَ مِنَ الْقُبُورِ وَيُجْمَعُونَ لِلْحِسَابِ .
وَالثَّالِثَةُ نَفْخَةُ فَزَعٍ وَصَعْقٍ يُفِيقُونَ مِنْهَا كَالْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ لَا يَمُوتُ مِنْهَا أَحَدٌ .
وَالرَّابِعَةُ: نَفْخَةُ إِفَاقَةٍ مِنْ ذَلِكَ الْغَشْيِ .
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ كَوْنِ الثِّنْتَيْنِ أَرْبَعًا لَيْسَ بِوَاضِحٍ بَلْ هُمَا نَفْخَتَانِ فَقَطْ ، وَوَقَعَ التَّغَايُرُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِاعْتِبَارِ مَنْ يَسْتَمِعُهُمَا ، فَالْأُولَى: يَمُوتُ بِهَا كُلُّ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيُغْشَى عَلَى مَنْ لَمْ يَمُتْ مِمَّنْ اِسْتَثْنَى اللَّهُ.
وَالثَّانِيَةُ: يَعِيشُ بِهَا مَنْ مَاتَ وَيُفِيقُ بِهَا مَنْ غُشِيَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [4] .
ـــــــــــــ
(1) - صحيح البخارى (4935 ) وصحيح مسلم (7603 )
(2) - صحيح مسلم (7568 )
(3) - تفسير ابن كثير - (ج 6 / ص 216) واتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة - (ج 8 / ص 53) [7679] وتفسير ابن أبي حاتم (15548) وهو ضعيف
(4) - فتح الباري لابن حجر - (ج 10 / ص 205)