يعيد الله العباد أنفسهم ، ولكنهم يخلقون خلقا مختلفا شيئا ما عما كانوا عليه في الحياة الدنيا ، فمن ذلك أنهم لا يموتون مهما أصابهم البلاء {.. وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} (17) سورة إبراهيم ، فعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , يُخْبِرُكُمْ: أَنَّ الْمَرَدَّ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ إِلَى جَنَّةٍ أَوْ نَارٍ , فَخُلُودٌ لاَ مَوْتَ , وَإِقَامَةٌ لاَ طَعْنَ فِي أَجْسَادٍ لاَ تَمُوتُ. رواه الحاكم والطبراني [1] .
ومن ذلك إبصار العباد ما لم يكونوا يبصرون ، فإنهم يبصرون في ذلك اليوم الملائكة والجن ، وما الله به عليم {لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ } (22) سورة ق ، ومن ذلك أن أهل الجنة لا يبصقون ولا يتغوطون ولا يتبولون، وهذا لا يعني أن الذين يبعثون في يوم الدين خلق آخر غير الخلق الذي كان في الدنيا ، يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: (فَعُلِمَ أَنَّ النَّشْأَتَيْنِ نَوْعَانِ تَحْتَ جِنْسٍ يَتَّفِقَانِ وَيَتَمَاثَلَانِ وَيَتَشَابَهَانِ مِنْ وَجْهٍ وَيَفْتَرِقَانِ وَيَتَنَوَّعَانِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَلِهَذَا جُعِلَ الْمَعَادُ هُوَ الْمَبْدَأَ وَجُعِلَ مِثْلَهُ أَيْضًا . فَبِاعْتِبَارِ اتِّفَاقِ الْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ فَهُوَ هُوَ وَبِاعْتِبَارِ مَا بَيْنَ النَّشْأَتَيْنِ مِنْ الْفَرْقِ فَهُوَ مِثْلُهُ . وَهَكَذَا كُلُّ مَا أُعِيدَ . فَلَفْظُ الْإِعَادَةِ يَقْتَضِي الْمَبْدَأَ وَالْمَعَادَ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ إعَادَةُ الْأَجْسَامِ وَالْأَعْرَاضِ.) [2]
ــــــــــــ
عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطٍ ، أَنَّ لَقِيطًا خَرَجَ وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ ، يُقَالُ لَهُ: نَهِيكُ بْنُ عَاصِمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْمُنْتَفِقِ ، قَالَ لَقِيطٌ: فَخَرَجْتُ أَنَا وَصَاحِبِي ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، لاِنْسِلاَخِ رَجَبٍ ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَوَافَيْنَاهُ حِينَ انْصَرَفَ مِنْ صَلاَةِ الْغَدَاةِ ، فَقَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ ، أَلاَ إِنِّي قَدْ خَبَّأْتُ لَكُمْ صَوْتِي مُنْذُ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ، أَلاَ لأُسْمِعَنَّكُمْ ، أَلاَ فَهَلْ مِنِ امْرِئٍ بَعَثَهُ قَوْمُهُ ؟ فَقَالُوا: اعْلَمْ لَنَا مَا يَقُولُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، أَلاَ ثُمَّ لَعَلَّهُ أَنْ يُلْهِيَهُ حَدِيثُ نَفْسِهِ ، أَوْ حَدِيثُ صَاحِبِهِ ، أَوْ يُلْهِيَهُ الضَّلاَلُ ، أَلاَ إِنِّي مَسْؤُولٌ ، هَلْ بَلَّغْتُ ؟ أَلاَ اسْمَعُوا تَعِيشُوا ، أَلاَ اجْلِسُوا ، أَلاَ اجْلِسُوا ، قَالَ: فَجَلَسَ النَّاسُ ، وَقُمْتُ أَنَا وَصَاحِبِي ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ لَنَا فُؤَادُهُ وَبَصَرُهُ ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، مَا عِنْدَكَ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ ؟ فَضَحِكَ لَعَمْرُ اللهِ ، وَهَزَّ رَأْسَهُ ، وَعَلِمَ أَنِّي أَبْتَغِي لِسَقَطِهِ ، فَقَالَ: ضَنَّ رَبُّكَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، بِمَفَاتِيحِ خَمْسٍ مِنَ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ اللهُ ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ ، قُلْتُ: وَمَا هِيَ ؟ قَالَ: عِلْمُ الْمَنِيَّةِ ، قَدْ عَلِمَ مَتَى مَنِيَّةُ أَحَدِكُمْ وَلاَ تَعْلَمُونَهُ ، وَعِلْمُ الْمَنِيِّ حِينَ يَكُونُ فِي الرَّحِمِ ، قَدْ عَلِمَهُ وَلاَ تَعْلَمُونَهُ ، وَعِلْمُ مَا فِي غَدٍ ، وَمَا أَنْتَ طَاعِمٌ غَدًا وَلاَ تَعْلَمُهُ ، وَعِلْمُ يَوْمِ الْغَيْثِ يُشْرِفُ عَلَيْكُمْ آزِلِينَ آزِلِينَ مُشْفِقِينَ ، فَيَظَلُّ يَضْحَكُ ، قَدْ عَلِمَ أَنَّ غِيَرَكُمْ إِلَى قُرْبٍ ، قَالَ لَقِيطٌ: قُلْتُ: لَنْ نَعْدَمَ مِنْ رَبٍّ يَضْحَكُ خَيْرًا ، وَعِلْمُ يَوْمِ السَّاعَةِ ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، عَلِّمْنَا مِمَّا تُعَلِّمُ النَّاسَ وَمَا تَعْلَمُ ، فَإِنَّا مِنْ قَبِيلٍ لاَ يُصَدِّقُ تَصْدِيقَنَا أَحَدٌ ، مِنْ مَذْحِجٍ الَّتِى تَرْبُو عَلَيْنَا ، وَخَثْعَمٍ الَّتِي تُوَالِينَا ، وَعَشِيرَتِنَا الَّتِي نَحْنُ مَنْهَا ، قَالَ: تَلْبَثُونَ مَا لَبِثْتُمْ ، ثُمَّ يُتَوَفَّى نَبِيُّكُمْ - صلى الله عليه وسلم - ، ثُمَّ تَلْبَثُونَ مَا لَبِثْتُمْ ، ثُمَّ تُبْعَثُ الصَّائِحَةُ ، لَعَمْرُ إِلَهِكَ مَا تَدَعُ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ مَاتَ ، وَالْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ مَعَ رَبِّكَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، فَأَصْبَحَ رَبُّكَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، يُطِيفُ فِي الأَرْضِ ، وَخَلَتْ عَلَيْهِ الْبِلاَدُ ، فَأَرْسَلَ رَبُّكَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، السَّمَاءَ بِهَضْبٍ مِنْ عِنْدِ الْعَرْشِ ، فَلَعَمْرُ إِلَهِكَ مَا تَدَعُ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ مَصْرَعِ قَتِيلٍ ، وَلاَ مَدْفَنِ مَيِّتٍ ، إِلاَّ شَقَّتِ الْقَبْرَ عَنْهُ ، حَتَّى تَجْعَلَهُ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ ، فَيَسْتَوِي جَالِسًا ، فَيَقُولُ رَبُّكَ: مَهْيَمْ ، لِمَا كَانَ فِيهِ ، يَقُولُ: يَا رَبِّ ، أَمْسِ الْيَوْمَ ، وَلِعَهْدِهِ بِالْحَيَاةِ يَحْسَبُهُ حَدِيثًا بِأَهْلِهِ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، كَيْفَ يَجْمَعُنَا بَعْدَ مَا تُمَزِّقُنَا الرِّيَاحُ وَالْبِلَى وَالسِّبَاعُ ؟ قَالَ: أُنَبِّئُكَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي آلاَءِ اللهِ ، الأَرْضُ أَشْرَفْتَ عَلَيْهَا وَهِيَ مَدَرَةٌ بَالِيَةٌ ، فَقُلْتَ: لاَ تَحْيَا أَبَدًا ، ثُمَّ أَرْسَلَ رَبُّكَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، عَلَيْهَا السَّمَاءَ ، فَلَمْ تَلْبَثْ عَلَيْكَ إِلاَّ أَيَّامًا ، حَتَّى أَشْرَفْتَ عَلَيْهَا وَهِيَ شَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَلَعَمْرُ إِلَهِكَ لَهُوَ أَقْدَرُ عَلَى أَنْ يَجْمَعَهُمْ مِنَ الْمَاءِ عَلَى أَنْ يَجْمَعَ نَبَاتَ الأَرْضِ ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ الأَصْوَاءِ ، أَوْ مِنْ مَصَارِعِهِمْ ، فَتَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَيَنْظُرُ إِلَيْكُمْ ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، وَكَيْفَ وَنَحْنُ مِلْءُ الأَرْضِ وَهُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ ، نَنْظُرُ إِلَيْهِ وَيَنْظُرُ إِلَيْنَا ؟ قَالَ: أُنَبِّئُكَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي آلاَءِ اللهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ آيَةٌ مِنْهُ صَغِيرَةٌ ، تَرَوْنَهُمَا وَيَرَيَانِكُمْ سَاعَةً وَاحِدَةً ، لاَ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِمَا ، وَلَعَمْرُ إِلَهِكَ لَهُوَ أَقْدَرُ عَلَى أَنْ يَرَاكُمْ وَتَرَوْنَهُ مِنْ أَنْ تَرَوْنَهُمَا وَيَرَيَانِكُمْ ، لاَ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِمَا ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، فَمَا يَفْعَلُ بِنَا رَبُّنَا ، عَزَّ وَجَلَّ ، إِذَا لَقِينَاهُ ؟ قَالَ: تُعْرَضُونَ عَلَيْهِ بَادِيَةٌ لَهُ صَفَحَاتُكُمْ ، لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ، فَيَأْخُذُ رَبُّكَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، بِيَدِهِ غَرْفَةً مِنَ الْمَاءِ ، فَيَنْضَحُ قَبِيلَكُمْ بِهَا ، فَلَعَمْرُ إِلَهِكَ مَا تُخْطِئُ وَجْهَ أَحَدِكُمْ مِنْهَا قَطْرَةٌ ، فَأَمَّا الْمُسْلِمُ فَتَدَعُ وَجْهَهُ مِثْلَ الرَّيْطَةِ الْبَيْضَاءِ ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَتَخْطُمُهُ بِمِثْلِ الْحَمِيمِ الأَسْوَدِ ، أَلاَ ثُمَّ يَنْصَرِفُ نَبِيُّكُمْ - صلى الله عليه وسلم - ، وَيَفْتَرِقُ عَلَى أَثَرِهِ الصَّالِحُونَ ، فَيَسْلُكُونَ جِسْرًا مِنَ النَّارِ ، فَيَطَأُ أَحَدُكُمُ الْجَمْرَ، فَيَقُولُ: حَسِّ ، يَقُولُ رَبُّكَ ، عَزَّ وَجَلَّ: وَإِنُّهُ ، أَلاَ فَتَطَّلِعُونَ عَلَى حَوْضِ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - ، عَلَى أَظْمَإِ وَاللهِ نَاهِلَةٍ قَطُّ مَا رَأَيْتُهَا ، فَلَعَمْرُ إِلَهِكَ مَا يَبْسُطُ وَاحِدٌ مِنْكُمْ يَدَهُ إِلاَّ وَقَعَ عَلَيْهَا قَدَحٌ ، يُطَهِّرُهُ مِنَ الطَّوْفِ وَالْبَوْلِ وَالأَذَى ، وَتُحْبَسُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ، وَلاَ تَرَوْنَ مِنْهُمَا وَاحِدًا ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، فَبِمَا نُبْصِرُ ؟ قَالَ: بِمِثْلِ بَصَرِكَ سَاعَتَكَ هَذِهِ ، وَذَلِكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، فِي يَوْمٍ أَشْرَقَتْهُ الأَرْضُ ، وَأَجَهَتْ بِهِ الْجِبَالَ ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، فَبِمَا نُجْزَى مِنْ سَيِّئَاتِنَا وَحَسَنَاتِنَا ؟ قَالَ: الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا ، إِلاَّ أَنْ يَعْفُوَ ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، أَمَّا الْجَنَّةُ ، أَمَّا النَّارُ؟ قَالَ: لَعَمْرُ إِلَهِكَ إِنَّ لِلنَّارِ لَسَبْعَةَ أَبْوَابٍ ، مَا مِنْهُنَّ بَابَانِ إِلاَّ يَسِيرُ الرَّاكِبُ بَيْنَهُمَا سَبْعِينَ عَامًا ، وَإِنَّ لِلْجَنَّةِ لَثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ ، مَا مِنْهُنَّ بَابَانِ إِلاَّ يَسِيرُ الرَّاكِبُ بَيْنَهُمَا سَبْعِينَ عَامًا ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، فَعَلَى مَا نَطَّلِعُ مِنَ الْجَنَّةِ ؟ قَالَ: عَلَى أَنْهَارٍ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ، وَأَنْهَارٍ مِنْ كَأْسٍ ، مَا بِهَا مِنْ صُدَاعٍ وَلاَ نَدَامَةٍ ، وَأَنْهَارٍ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ، وَمَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ ، وَبِفَاكِهَةٍ ، لَعَمْرُ إِلَهِكَ مَا تَعْلَمُونَ ، وَخَيْرٌ مِنْ مِثْلِهِ مَعَهُ ، وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، أَوَ لَنَا فِيهَا أَزْوَاجٌ ، أَوْ مِنْهُنَّ مُصْلِحَاتٌ ؟ قَالَ: الصَّالِحَاتُ لِلصَّالِحِينَ ، تَلَذُّونَهُنَّ مِثْلَ لَذَّاتِكُمْ فِي الدُّنْيَا ، وَيَلْذَذْنَ بِكُمْ ، غَيْرَ أَنْ لاَ تَوَالُدَ ، قَالَ لَقِيطٌ: فَقُلْتُ: أَقُضِىَ مَا نَحْنُ بَالِغُونَ وَمُنْتَهُونَ إِلَيْهِ ؟ فَلَمْ يُجِبْهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، عَلَى مَا أُبَايِعُكَ ؟ قَالَ: فَبَسَطَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَدَهُ ، وَقَالَ: عَلَى إِقَامِ الصَّلاَةِ ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَزِيَالِ الْمُشْرِكِ ، وَأَنْ لاَ تُشْرِكَ بِاللهِ إِلَهًا غَيْرَهُ ، قُلْتُ: وَأَنَّ لَنَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ؟ فَقَبَضَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَدَهُ ، وَبَسَطَ أَصَابِعَهُ ، وَظَنَّ أَنِّي مُشْتَرِطٌ شَيْئًا لاَ يُعْطِينِيهِ ، قَالَ: قُلْتُ: نَحِلُّ مِنْهَا حَيْثُ شِئْنَا ، وَلاَ يَجْنِي امْرُؤٌ إِلاَّ عَلَى نَفْسِهِ ؟ فَبَسَطَ يَدَهُ، وَقَالَ: ذَلِكَ لَكَ ، تَحِلُّ حَيْثُ شِئْتَ ، وَلاَ يَجْنِي عَلَيْكَ إِلاَّ نَفْسُكَ ، قَالَ: فَانْصَرَفْنَا عَنْهُ ، ثُمَّ قَالَ: هَا إِنَّ ذَيْنِ ، هَا إِنَّ ذَيْنِ ، لَعَمْرُ إِلَهِكَ مِنْ أَتْقَى النَّاسِ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ، فَقَالَ لَهُ كَعْبُ ابْنُ الْخُدَارِيَّةِ ، أَحَدُ بَنِي بَكْرِ بْنِ كِلاَبٍ ، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ: بَنُو الْمُنْتَفِقِ أَهْلُ ذَلِكَ ، قَالَ: فَانْصَرَفْنَا ، وَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، هَلْ لأَحَدٍ مِمَّنْ مَضَى مِنْ خَيْرٍ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ ؟ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنْ عُرْضِ قُرَيْشٍ: وَاللهِ إِنَّ أَبَاكَ الْمُنْتَفِقَ لَفِي النَّارِ ، قَالَ: فَلَكَأَنَّهُ وَقَعَ حَرٌّ بَيْنَ جِلْدِي وَوَجْهِي وَلَحْمِي ، مِمَّا قَالَ لأَبِي عَلَى رُؤُوسِ النَّاسِ ، فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُولَ: وَأَبُوكَ يَا رَسُولَ اللهِ ، ثُمَّ إِذَا الأُخْرَى أَجْمَلُ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، وَأَهْلُكَ ؟ قَالَ: وَأَهْلِي لَعَمْرُ اللهِ ، مَا أَتَيْتَ عَلَيْهِ مِنْ قَبْرِ عَامِرِيٍّ ، أَوْ قُرَشِيٍّ ، مِنْ مُشْرِكٍ ، فَقُلْ: أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ مُحَمَّدٌ ، فَأُبَشِّرُكَ بِمَا يَسُوؤُكَ: تُجَرُّ عَلَى وَجْهِكَ وَبَطْنِكَ فِي النَّارِ ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، مَا فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ ، وَقَدْ كَانُوا عَلَى عَمَلٍ لاَ يُحْسِنُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ، وَكَانُوا يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُصْلِحُونَ ؟ قَالَ: ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، بَعَثَ فِي آخِرِ كُلِّ سَبْعِ أُمَمٍ ، يَعْنِى نَبِيًّا ، فَمَنْ عَصَى نَبِيَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ ، وَمَنْ أَطَاعَ نَبِيَّهُ كَانَ مِنَ الْمُهْتَدِينَ [3] .
الحميم: الماء الحار - تخطم: تسم -الريطة: الملاءة تكون من قطعة واحدة -الزيال: الفراق -الأصواء: القبور وأصلها من الصوى الأعلام فشبه القبور بها -تضارون: لا تتخالفون ولا تتجادلون في صحة النظر -تضارون: لا تتخالفون ولا تتجادلون في صحة النظر -القبيل: الجماعة من الناس من قوم شتى أو من نحو واحد وربما كانوا من أب واحد -المدرة: الطين اليابس -مهيم: ما شأنك وما خبرك ؟ -الناهلة: التى شربت حتى رويت -تهضب: تمطر.
(1) - مسند الشاميين (1117) والمستدرك للحاكم (281) صحيح
(2) - مجموع الفتاوى - (ج 17 / ص 253)
(3) - المسند الجامع - (ج 15 / ص 15) (11297) ومجمع الزوائد ( 18351) ومسند أحمد (16635) حسن