فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 208

المبحث السابع والثلاثون

جرائم الموحدين التي دخلوا بسببها النار

الذين يدخلون النار ، ثم يخرجون منها هم أهل التوحيد الذين لم بشركوا بالله شيئا ولكن لهم ذنوب كثيرة ، فخفَّت موازينهم ، فهؤلاء يدخلون النار مُددا يعلمها الله تبارك وتعالى، ثم يخرجون بشفاعة الشافعين، ويُخرج اللهُ برحمته أقواما لم يعملوا خيرا قط

الذنوب المتوعد عليها بالنار:

الفرقُ المخالفة للسنة:

عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِى سُفْيَانَ أَنَّهُ قَامَ فِينَا فَقَالَ أَلاَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَامَ فِينَا فَقَالَ « أَلاَ إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ افْتَرَقُوا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً وَإِنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِى النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِى الْجَنَّةِ وَهِىَ الْجَمَاعَةُ » . زَادَ ابْنُ يَحْيَى وَعَمْرٌو فِى حَدِيثَيْهِمَا « وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ أُمَّتِى أَقْوَامٌ تَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ لِصَاحِبِهِ » .

وَقَالَ عَمْرٌو « الْكَلْبُ بِصَاحِبِهِ لاَ يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلاَ مَفْصِلٌ إِلاَّ دَخَلَهُ » [1] .

الممتنعون من الهجرة:

لا يجوز للمسلم أن يقيم في ديار الكفر إذا وجدت ديار الإسلام خاصة إذا كان مكثه في ديار الكفر يعرضه للفتنة ، ولم يقبل الله عذر الذين تخلفوا عن الهجرة ، فقد أخبر الحق أن الملائكة تبكت هذا الصنف من الناس حال الموت ولا تعذرهم عندما يدَّعون أنهم كانوا مستضعفين في الأرض: ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا(97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99) [النساء/97-99] ) ،

كَانَ فِي مَكَّةَ قَوْمٌ قَدْ أَسْلَمُوا ، وَأَخْفُوا إِسْلاَمَهُمْ ، فَأَخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ مَعَهُمْ إلى قِتَالِ المُسْلِمِينَ ، فَأُصِيبَ بَعْضُهُمْ ، فَقَالَ المُسْلِمُونَ كَانَ أَصْحَابُنا هَؤُلاءِ مُسْلِمِينَ ، وَأُكرْهُوا فَاسْتَغْفَرُوا لَهُمْ . فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ . فَكَتَبَ المُسْلِمُونَ إلى مَنْ بَقِيَ مِنَ المُسْلِمِينَ المُسْتَخْفِينَ فِي مَكَّةَ: أَنَّهُمْ لاَ عُذْرَ لَهُمْ ، وَأَنَّ عَلَيْهِم الهِجْرَةَ .

والآيَةَ عَامَّةٌ تَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ أقَامَ بَيْنَ المُشْرِكِينَ ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الهِجْرَةِ ، وَلَيسَ مُتَمكِّنًا فِي مَوطِنِهِ مِنْ إقَامَةِ أمُورِ دِينِهِ ، فَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ، مُرْتَكِبٌ حَرَامًا بِالإجْمَاعِ . وَظُلْمُهُمْ لأَنْفُسِهِمْ هُوَ تَرْكُهُمُ العَمَلَ بِالحَقِّ خَوْفًا مِنَ الأَذَى ، وَفَقْدِ الكَرَامَةِ عِنْدَ ذَوِي قُرْبَاهُمْ مِنَ المُبْطِلِينَ ، وَهَذا الاعْتِذَارُ مِمَّا يَعْتَذِرُ بِهِ الذِينَ يُسَايِرُونَ أَصْحَابَ البِدَعِ بِحُجَّةِ دَفْعِ الأذَى عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِمُدَارَاةِ المُبْطِلِينَ ، وَهَذَا لا يُعْتَدُّ بِهِ ، لأنَّ الوَاجِبَ يَقْضِي عَلَيهِمْ بِإقَامَةِ الحَقِّ مَعَ احْتِمَالِ الأَذَى فِي سَبِيلِ اللهِ ، أَوِ الهِجْرَةِ إلى حَيْثُ يَتَمَكَّنُونَ مِنْ إِقَامَةِ دِينِهِمْ .

وَمَعْنَى الآيةِ: إَّن الذِينَ تَحْضُرُهُمُ الوَفَاةُ ، وَهُمْ مُقِيمُونَ فِي أَرْضِ الشِّرْكِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ إِقَامَةِ الشَّعَائِرِ الدِّينِيَّةِ ، وَلاَ إِظْهَارَهَا ( وَقَدْ عَدّ اللهُ تَعَالَى هَؤُلاءِ ظَالِمِينَ أَنْفُسَهُمْ بِتَرْكِهِمُ الهِجْرَةَ إلى دَارِ الأمْنِ وَالإسْلاَمِ ) ، فَتَسْألُهُمُ المَلائِكَةُ الكِرَامُ: لِمَ لِبِثْتُمْ مُقِيمِينَ فِي أَرْضِ الكُفْرِ ، وَتَرَكْتُمُ الهِجْرَةَ؟ فَيُجِيبُونَ: إِنَّهُم كُانُوا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ ، لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى الخُرُوجِ مِنَ البَلَدِ ، وَلا الذَّهَابِ فِي الأَرْضِ . فَتَقُولُ لَهُمُ المَلاَئِكَةُ: أَلَيْسَتْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا إلى حَيْثُ الأَمْنِ وَالحُرِّيَّةُ ، وَالقُدْرَةُ عَلَى إِظْهَارِ الإِيمَانِ؟ وَيَقَولُ تَعَالَى: إنَّ هَؤُلاءِ الظَّالِمِينَ لأَنْفُسِهِمْ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ، وَسَاءَتْ مَصِيرًا .

وَاسْتَثْنَى اللهُ تَعَالَى مِنْ سُوءِ المَصِيرِ ، الذِي يَنْتَظِرُ القَاعِدِينَ عَنِ الهِجْرَةِ مِنْ دَارِ الشِّرْكِ - وَهُمْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ إِقَامَةَ شَعَائِرِ دِينِهِمِ - المُسْتَضْعَفِينَ الذِينَ لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْ أَيْدِي المُشْرِكِينَ ، وَالذِينَ لَوْ قَدِرُوا عَلَى التَّخَلُّصِ لَمَا اسْتَطَاعُوا الاهْتِدَاءَ إلى سُلُوكِ الطَّرِيق ، وَإيجَادِ السَّبِيلِ ، كَالعَجَزَةِ وَالمَرْضَى وَالنِّسَاءِ وَالمُرَاهِقِينَ الذِين عَقَلُوا .

فَهَؤُلاءِ المَعْذُورُونَ قَدْ يَتَجَاوَزُ اللهُ عَنْهُمْ بِتَرْكِ الهِجْرَةِ مِنْ دَارِ الكُفْرِ ، وَاللهُ كَثيرُ العَفْوِ وَالغُفْرَانِ [2] .

الجائرون في الحكم:

أنزل الله الشريعة ليقوم الناس بالقسط ، وأمر الله عباده بالعدل ، قال تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(90) [النحل/90] )

إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَأْمُرُ فِي كِتَابِهِ الذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالعَدْلِ وَالإِنْصَافِ ، وَيَنْدُبُ إِلَى الإِحْسَانِ وَالفَضْلِ ، وَيَأْمُرُ بِصِلَةِ الرَّحْمِ وَإِعْطَاءِ ذَوِي القُرْبَى مَا هُمْ بِحَاجَةٍ إِلَيْهِ ، وَيَنْهَى عَنِ ارْتِكَابِ المُحَرَّمَاتِ وَالمُنْكَرَاتِ وَالفَوَاحِشِ ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، مِمَّا يَأْتِيهِ العَبْدُ سِرًّا وَخِفْيَةً وَاللهُ تَعَالَى إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالخَيْرِ ، وَيَنْهَاكُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَالشَّرِّ ، لَعَلَّكُمْ تَتَذَكَّرُونَ مَا أَوْدَعَهُ اللهُ فِي الفِطْرَةِ مِنْ وَحْيٍ قَوِيمٍ أَصِيلٍ ، فَتَعْمَلُوا بِمُقْتَضَاهُ .

لقد جاء هذا الكتاب لينشئ أمة وينظم مجتمعًا ، ثم لينشئ عالمًا ويقيم نظامًا . جاء دعوة عالمية إنسانية لا تعصب فيها لقبيلة أو أمة أو جنس؛ إنما العقيدة وحدها هي الآصرة والرابطة والقومية والعصبية .

ومن ثم جاء بالمبادئ التي تكفل تماسك الجماعة والجماعات ، واطمئنان الأفراد والأمم والشعوب ، والثقة بالمعاملات والوعود والعهود:

جاء { بالعدل } الذي يكفل لكل فرد ولكل جماعة ولكل قوم قاعدة ثابتة للتعامل ، لا تميل مع الهوى ، ولا تتأثر بالود والبغض ، ولا تتبدل مجاراة للصهر والنسب ، والغنى والفقر ، والقوة والضعف . إنما تمضي في طريقها تكيل بمكيال واحد للجميع ، وتزن بميزان واحد للجميع .

وإلى جوار العدل . . { الإحسان } . . يلطف من حدة العدل الصارم الجازم ، ويدع الباب مفتوحًا لمن يريد أن يتسامح في بعض حقه إيثارًا لود القلوب ، وشفاء لغل الصدور . ولمن يريد أن ينهض بما فوق العدل الواجب عليه ليداوي جرحًا أو يكسب فضلًا . والإحسان أوسع مدلولًا ، فكل عمل طيب إحسان ، والأمر بالإحسان يشمل كل عمل وكل تعامل ، فيشمل محيط الحياة كلها في علاقات العبد بربه ، وعلاقاته بأسرته ، وعلاقاته بالجماعة ، وعلاقاته بالبشرية جميعًا .

ومن الإحسان { إيتاء ذي القربى } إنما يبرز الأمر به تعظيمًا لشأنه ، وتوكيدًا عليه . وما يبني هذا على عصبية الأسرة ، إنما يبنيه على مبدأ التكافل الذي يتدرج به الإسلام من المحيط المحلي إلى المحيط العام . وفق نظريته التنظيمية لهذا التكافل .

{ وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي } . . والفحشاء كل أمر يفحش أي يتجاوز الحد . ومنه ما خصص به غالبًا وهو فاحشة الاعتداء على العرض ، لأنه فعل فاحش فيه اعتداء وفيه تجاوز للحد حتى ليدل على الفحشاء ويختص بها . والمنكر كل فعل تنكره الفطرة ومن ثم تنكره الشريعة فهي شريعة الفطرة . وقد تنحرف الفطرة أحيانًا فتبقى الشريعة ثابتة تشير إلى أصل الفطرة قبل انحرافها . والبغي الظلم وتجاوز الحق والعدل .

وما من مجتمع يمكن أن يقوم على الفحشاء والمنكر والبغي . . ما من مجتمع تشيع فيه الفاحشة بكل مدلولاتها ، والمنكر بكل مغرراته ، والبغي بكل معقباته ، ثم يقوم . .

والفطرة البشرية تنتفض بعد فترة معينة ضد هذه العوامل الهدامة ، مهما تبلغ قوتها ، ومهما يستخدم الطغاة من الوسائل لحمايتها . وتاريخ البشرية كله انتفاضات وانتفاضات ضد الفحشاء والمنكر والبغي . فلا يهم أن تقوم عهود وأن تقوم دول عليها حينًا من الدهر ، فالانتقاض عليها دليل على أنها عناصر غريبة على جسم الحياة ، فهي تنتفض لطردها ، كما ينتفض الحي ضد أي جسم غريب يدخل إليه . وأمر الله بالعدل والإحسان ونهيه عن الفحشاء والمنكر والبغي يوافق الفطرة السليمة الصحيحة ، ويقويها ويدفعها للمقاومة باسم الله . لذلك يجيء التعقيب: { يعظكم لعلكم تذكرون} فهي عظة للتذكر تذكر وحي الفطرة الأصيل القويم [3] .

وفرض على الحكام والقضاة الحكم بالعدل وعدم الجور، قال تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا(58) [النساء/58] )

يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ بِأَدَاءِ الأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا . وَأَدَاءِ الأَمَانَاتِ يَشْمَلُ جَمِيعَ الأَمَانَاتِ الوَاجِبَةِ عَلى الإِنْسَانِ: مِنْ حُقُوقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ( مِنْ صَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ . . . ) وَمِنْ حُقُوقِ العِبَادِ ( كَالوَدَائِعِ وَغَيرَ ذَلِكَ مِمَّا يُؤْتَمَنُ الإِنْسَانُ عَلَيهِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ بِيَدِ أَصْحَابِهَا وَثَائِقَ وَبَيَنَاتٍ عَلَيهَا ) . هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ فِي عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، فَقَدْ كَانَتْ لَهُ حِجَابَةُ الكَعْبَةِ . وَلَمَّا فَتَحَ اللهُ مَكَّةَ عَلَى رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - طَافَ الرَّسُولُ - صلى الله عليه وسلم - بِالكَعْبَةِ ، ثُمَّ دَعَا بِعُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، وَأَخَذَ مِنْهُ مُفْتَاحَ الكَعْبَةِ وَدَخَلَها . فَجَاءَهُ العَبَّاسُ ( وَقِيلَ بَلْ جَاءَهُ عَلِي ) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ، اجْمَعْ لَنَا حَجَابَةَ الكَعْبَةِ مَعَ السِّقَايَةِ . فَدَعَا رَسُولَ اللهِ بِعُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَدَفَعَ إِلَيهِ المُفْتَاحَ ، وَخَرَجَ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ .

وَيَأْمُرُ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِأَنْ يَحْكُمُوا بَيْنَ النَّاسِ بِالعَدْلِ ، وَأَنْ يَكُونَ العَدْلُ عَامًا لِلْبَرِّ وَالفَاجِرِ ، وَلِكُلِّ أحَدٍ ، وَأنْ لاَ يَمْنَعَهُمْ مِنْ إِقَامَةِ العَدْلِ حِقْدٌ أَوْ كَرَاهِيَةٌ أوْ عَدَاؤةٌ .

ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى إنَّ مَا يَأْمُرُ بِهِ ، وَيَعِظُ بِهِ المُؤْمِنِينَ ، هُوَ الشَّرْعُ الكَامِلُ ، وَفِيهِ خَيْرُهُمْ ، وَاللهُ سَمِيعٌ لأَقْوَالِ العِبَادِ ، بَصِيرٌ بِأَفْعَالِهِمْ ، فَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ بِمَا يَسْتَحِقُّ .

وقد تهدد الحق الذين لا يحكمون بالحق بالنار ، فعَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « الْقُضَاةُ ثَلاَثَةٌ وَاحِدٌ فِى الْجَنَّةِ وَاثْنَانِ فِى النَّارِ فَأَمَّا الَّذِى فِى الْجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِى الْحُكْمِ فَهُوَ فِى النَّارِ وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِى النَّارِ » . قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَهَذَا أَصَحُّ شَىْءٍ فِيهِ يَعْنِى حَدِيثَ ابْنِ بُرَيْدَةَ « الْقُضَاةُ ثَلاَثَةٌ » [4] .

الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

عن رِبْعِىَّ بْنِ حِرَاشٍ قال: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « لاَ تَكْذِبُوا عَلَىَّ ، فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ فَلْيَلِجِ النَّارَ » [5] .

وعَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ إِنِّى لاَ أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَمَا يُحَدِّثُ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ . قَالَ أَمَا إِنِّى لَمْ أُفَارِقْهُ وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ « مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ » [6] . -يتبوأ: يتخذ منزله

وعَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ أَنَسٌ إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِى أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « مَنْ تَعَمَّدَ عَلَىَّ كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ » [7] .

وعَنْ سَلَمَةَ رضي الله عنه قَالَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « مَنْ يَقُلْ عَلَىَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ » [8] .

وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « تَسَمَّوْا بِاسْمِى وَلاَ تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِى ، وَمَنْ رَآنِى فِى الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِى ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَمَثَّلُ فِى صُورَتِى ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ » [9] .

وعَنِ الْمُغِيرَةِ - رضى الله عنه - قَالَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « إِنَّ كَذِبًا عَلَىَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ ، مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ » [10] .

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ: مَنْ قَالَ: عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ. [11] والأحاديث بذلك متواترة

الكبر من الذنوب الكبار:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فِيمَا يَحْكِي عَنِ اللهِ جَلَّ وَعَلاَ ، قَالَ: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي ، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي ، فَمَنْ نَازَعَنِي فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ ، وَمَنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ شِبْرًا ، اقْتَرَبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا ، وَمَنِ اقْتَرَبَ مِنِّي ذِرَاعًا ، اقْتَرَبْتُ مِنْهُ بَاعًا ، وَمَنْ جَاءَنِي يَمْشِي ، جِئْتُهُ أُهَرْوِلُ ، وَمَنْ جَاءَنِي يُهَرْوِلُ ، جِئْتُهُ أَسْعَى ، وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ، ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي ، وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ، ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَطْيَبَ. [12]

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ جَلَّ وَعَلاَ: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي ، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ. [13]

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ اللهِ جَلَّ وَعَلاَ: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي ، فَمَنْ نَازَعَنِي فِي شَيْءٍ مِنْهُ أَدْخَلْتُهُ فِي النَّارِ. [14]

وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِى وَالْعَظَمَةُ إِزَارِى فَمَنْ نَازَعَنِى وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِى النَّارِ » . [15]

وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ ، وَلاَ يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ. [16]

وعَنْ أَبِي حَيَّانَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: الْتَقَى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو ، وَابْنُ عُمَرَ فَانْتَجَيَا بَيْنَهُمَا ، ثُمَّ انْصَرَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى أَصْحَابِهِ فَانْصَرَفَ ابْنُ عُمَرَ وَهُوَ يَبْكِي ، فَقَالُوا لَهُ: مَا يُبْكِيك ؟ قَالَ: أَبْكَانِي الَّذِي زَعَمَ هَذَا ، أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ. [17]

وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: يَجِيءُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ذَرًّا مِثْلَ صُوَرِ الرِّجَالِ ، يَعْلُوهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الصَّغَارِ ، قَالَ: ثُمَّ يُسَاقُونَ إلَى سِجْنِ في جَهَنَّمَ يُقَالُ لَهُ بُولَسَ , تَعْلُوهُمْ نَارُ الأَنْيَارِ , يُسْقَوْنَ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ , عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ. [18]

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ » . قَالَ رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً. قَالَ « إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ » [19] .

البطر: التكبر على الحق فلا يقبله -الغمط: الاحتقار والاستهانة

قاتل النفس بغير حق:

قال تعالى: ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا(93) [النساء/93)

وَإذا عَرَفَ الرَّجُلُ الإِسْلاَمَ وَشَرَائِعِهِ ، ثُمَّ قَتَلَ رَجُلًا مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا قَتْلَهُ ، مُسْتَحِلًا ذَلِكَ القَتْلَ ، فَجَزَاؤُهُ عِنْدَ اللهِ جَهَنَّمَ يَبْقَى مُخَلَّدًا فِيهَا ، وَيَلْعَنُهُ اللهُ ، وَيُبْعِدُهُ مِنْ رَحْمَتِهِ ، وَيَجْعَلُهُ فِي النَّارِ فِي عَذَابٍ أَليمٍ .

وَلِلْفُقَهَاءِ ثَلاَثَةُ آرَاءٍ فِي تَوْبَةِ قَاتِلِ المُؤْمِنِ عَمْدًا:

1-ابْنُ عَبَّاسٍ وَفَرِيقٍ مِنَ السَّلَفِ - يَرَوْنَ أنَّ قَاتِلَ المُؤْمِنِ لاَ تَوْبَةَ لَهُ إِطْلاقًا ، وَيَبْقَى فِي النَّارِ خَالِدًا . وَيَسْتَنِدُونَ فِي ذَلِكَ إلى قَوْلِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:"كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللهُ أَنْ يَغْفِرَهُ إلاَّ الرَّجُلَ يَمُوتُ كَافِرًا ، أَوْ الرَّجُلَ يَقْتُلُ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا"وَإلَى قَوْلِ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم -:

"مَنْ أعَانَ عَلى قَتْلِ امرىءٍ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ كُتِبَ بَيْنَ عَيْنَيهِ يَوْمَ القِيَامَةِ: آيس مِنْ رَحْمَةِ اللهِ"

وَإلى قَوْلِ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم -:

"لَوْ أنَّ الثَقَلَيْنِ اجْتَمَعُوا عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ لأًكَبَّهُمُ اللهُ تَعَالَى عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ ، وَإنَّ اللهَ تَعَالَى حَرَّمَ الجَنَّةَ عَلَى القَاتِلِ وَالآمِرِ بِهِ"

2-وَيَرَى فَرِيقٌ آخَرُ أنَّ الخُلُودَ يَعْنِي المُكْثَ الطَّوِيلَ لاَ الدَّوَامَ ، لِظَاهِرِ النُّصُوصِ القَاطِعَةِ عَلَى أنَّ عُصَاةَ المُؤْمِنِينَ لاَ يَدُومُ عَذَابُهُمْ . وَمَا فِي الآيَةِ إِخْبَارٌ مِنَ اللهِ أنَّ جَزَاءَهُ ذَلِكَ ، لاَ أنَّهُ يَجْزِيهِ بِذَلِكَ حَتْمًا ، كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: { وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا } فَلَوْ كَانَ المُرَادُ أنَّهُ سُبْحَانَهُ يَجْزِي كُلَّ سَيِّئَةٍ بِمْثِلِهَا لَعَارَضَهُ قَوْلُهُ جَلَّ شَأنُهُ: { وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ } فَالمُرَادُ بِذَلِكَ أنَّ هَذا هُوَ جَزَاؤُهُ إنْ أَرَادَ اللهُ مُجَازَاتَهُ .

3-وَيَرى فَرِيقٌ ثَالِثٌ أنَّ حُكْمَ الآيَةِ يَتَعَلَّقُ بِالقَاتِلِ المُسْتَحِلِّ لِلْقَتْلِ ، وَحُكْمُهُ مِمَّا لاَ شَكَّ فِيهِ .

وَقَدْ فَسَّرَ عكْرَمَةُ وَابْنُ جُرَيجٍ ( مُتَعَمِّدًا ) ب ( مُسْتَحِلًا ) فِي الآيَةِ .

(1) - سنن أبى داود (4599) صحيح لغيره ، وقال شيخ الاسلام ابن تيمية فيه ( هو حديث صحيح مشهور ) ، وصححه الشاطبي في"الاعتصام"وقد جمع الشيخ ناصر الدين الألباني طرقه وتكلم على أسانيده وبين أنه حديث صحيح لا شك في صحته في الصحيحة ( 204) والإتحاف 8/140 وصحيح الجامع ( 2641 )

(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (ج 1 / ص 592) ، وانظر كتابي ( المفصل في أحكام الهجرة ) صيد الفوائد

(3) - في ظلال القرآن - (ج 4 / ص 484)

(4) - سنن أبى داود (3575) صحيح

(5) - صحيح البخارى (106 ) ومسلم (2)

(6) - صحيح البخارى (107 )

(7) - صحيح البخارى (108)

(8) - صحيح البخارى (109 )

(9) - صحيح البخارى (110 )

(10) - صحيح البخارى (1291 )

(11) - صحيح ابن حبان - (ج 1 / ص 210) (28) صحيح

(12) - صحيح ابن حبان - (ج 2 / ص 35) (328) صحيح

(13) - صحيح ابن حبان - (ج 12 / ص 486) (5671) صحيح

(14) - صحيح ابن حبان - (ج 12 / ص 487) (5672) صحيح

(15) - سنن أبى داود (4092 ) صحيح

(16) - صحيح ابن حبان - (ج 1 / ص 460) (224) صحيح

(17) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 9 / ص 89) (27113) صحيح

(18) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 9 / ص 90) (27114) حسن

(19) - صحيح مسلم (275 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت