فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 208

المبحث السابع

وقود النار

الأحجار والفجرة الكفار هم وقود النار، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) {التحريم:6}

يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ، اعْمَلُوا بِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى ، وَاتَّقُوا مَعْصَيَتَهُ ، وَأمُرُوا أَهْلَكُمْ بِالذّكْرِ والتَّقْوَى ، وَعَلِّمُوهُمْ مَا فَرَضَ اللهُ عَلَيهِمْ ، وَمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ ، وَأمُرُوهُمْ بِطَاعَةِ اللهِ لِتُنقِذُوهُمْ وَأَنْفُسَكُمْ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ ، التِي يَكُونُ وَقُودُهَا النَّاسُ مِنَ الكَفَرَةِ ، وَالحِجَارَةُ ، وَتَقُومُ عَلَيهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ عَلَى أَهْلِ النَّارِ ، أَشِدَّاءُ َعَلَيهِمْ ، لاَ يُخَالِفُونَ رَبَّهُمْ فِي أَمْرٍ بِهِ ، وَيُبَادِرُونَ إِلَى فِعْلِ مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ .

وقال تعالى: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} {البقرة:24}

فَإِنْ لَم يَسْتَطِيعُوا هُمْ وِشُرَكَاؤهُمْ وَشُهَداؤهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ ( وَهُمْ لَنْ يَسْتَطِيعُوا ذلِكَ أَبَدًا مَهْمَا طَالَ الزَّمَنُ ) فَلْيَعْلَمُوا أَنَّ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ هُوَ مِنْ وَحيِ المُكَابِرِينَ المُعانِدِينَ المُكَذِّبينَ بِالحَقِّ ، وَفِيما يُبَلِّغُهُ عَنْ رَبِّهِ ، وَيَكُونُونَ هُمُ المُكَابِرِينَ المُعَانِدِينَ المُكَذِّبينَ بِالحَقِّ ، وَعَلَيهِمْ أَنْ يَخْشَوْا عَذَابَ اللهِ وَنَارَهُ التِي يَكُونُ النَّاسُ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ أَصْنَامٍ وَحِجَارَةٍ . . . مِنَ الوَقُودِ الذِي تَشْتَعِلُ بِهِ ، وَهِيَ مُعَدَّةٌ لِتَعْذِيبِ الكَافِرِينَ الجَاحِدِينَ المُعَانِدِينَ .

ولا يخفى ما في هذا من التهويل إذ أنَّ هذه النار توقد بنفس ما يراد إحراقه بها.

والمراد بالناس هم الكفرة المشركون ، وأما الحجارة التي تكون وقودا للنار فالله أعلم بحقيقتها ،وقد ذهب بعض السلف إلى أن هذه الحجارة من كبريت فعَنْ عَبْد اللَّه فِي قَوْله: { وَقُودهَا النَّاس وَالْحِجَارَة } قَالَ: هِيَ حِجَارَة مِنْ كِبْرِيت خَلَقَهَا اللَّه يَوْم خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي السَّمَاء الدُّنْيَا يُعِدّهَا لِلْكَافِرِينَ.وعَنْ ابْن مَسْعُود فِي قَوْله: { وَقُودهَا النَّاس وَالْحِجَارَة } قَالَ: حِجَارَة الْكِبْرِيت جَعَلَهَا اللَّه كَمَا شَاءَ .

وعَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنهم: { اتَّقُوا النَّار الَّتِي وَقُودهَا النَّاس وَالْحِجَارَة } أَمَّا الْحِجَارَة فَهِيَ حِجَارَة فِي النَّار مِنْ كِبْرِيت أَسْوَد يُعَذَّبُونَ بِهِ مَعَ النَّار

وعَنْ ابْن جُرَيْجٍ فِي قَوْله: { وَقُودهَا النَّاس وَالْحِجَارَة } قَالَ:حِجَارَة مِنْ كِبْرِيت أَسْوَد فِي النَّار . [1]

قال القرطبي: هي حجارة الكبريت الأسود- عن ابن مسعود والفرَّاء- وخصّت بذلك لأنها تزيد على جميع الأحجار بخمة أنواع ٍمن العذاب: سرعة الاتقاد, نتن الرائحة, كثرة الدخان, شدة الالتصاق بالأبدان, قوة حرِّها إذا حَمِيت" [2] ."

[وقيل: المراد بها: حجارة الأصنام والأنداد التي كانت تعبد من دون الله كما قال: { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } الآية [الأنبياء: 98] ، حكاه القرطبي وفخر الدين ورجحه على الأول؛ قال: لأن أخذ النار في حجارة الكبريت ليس بمنكر فجعلها هذه الحجارة أولى، وهذا الذي قاله ليس بقوي،؛ وذلك أن النار إذا أضرمت بحجارة الكبريت كان ذلك أشد لحرها وأقوى لسعيرها، ولا سيما على ما ذكره السلف من أنها حجارة من كبريت معدة لذلك، ثم إن أخذ النار في هذه الحجارة -أيضا-مشاهد، وهذا الجص يكون أحجارًا فتعمل فيه بالنار حتى يصير كذلك. وكذلك سائر الأحجار تفخرها النار وتحرقها. وإنما سيق هذا في حر هذه النار التي وعدوا بها، وشدة ضرامها وقوة لهبها كما قال: { كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا } [الإسراء: 97] . وهكذا رجح القرطبي أن المراد بها الحجارة التي تسعر بها النار لتحمى ويشتد لهبها قال: ليكون ذلك أشد عذابًا لأهلها، [3]

فإن كان أمرا اجتهاديا مبنيا على العلم بطبائع الحجارة وخصائصها فهذا القول غير مسلم ، فإن من الحجارة ما يفوق الكبريت قوة واشتعالا . والأوائل رأوا أن حجارة الكبريت لها خصائص ليست لغيرها من الحجارة فقالوا أنها مادة وقود النار ، يقول ابن رجب ( وأكثر المفسرين على أن المراد بالحجارة حجارة الكبريت توقد بها النار ، ويقال: إن فيها خمسة أنواع من العذاب ليس في غيرها: سرعة الإيقاد ، ونتن الرائحة ، وكثرة الدخان ، وشدة الالتصاق بالأبدان ، وقوة حرها إذا حميت ) [4] .

وقد يوجد الله من أنواع الحجارة ما يفوق ما في الكبريت من خصائص . ومما توقد به النار الآلهة التي كانت تعبد من دون الله، قال تعالى: ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ(98) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (99) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (100) [الأنبياء/98-100] ) ،

أي: إنكم أيها العابدون مع الله آلهة غيره { حَصَبُ جَهَنَّمَ } أي: وقودها وحطبها { أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } وأصنامكم.

والحكمة في دخول الأصنام النار، وهي جماد، لا تعقل، وليس عليها ذنب، بيان كذب من اتخذها آلهة، وليزداد عذابهم، فلهذا قال: { لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا } وهذا كقوله تعالى: { لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ } وكل من العابدين والمعبودين فيها، خالدون، لا يخرجون منها، ولا ينتقلون عنها.

{ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ } من شدة العذاب { وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ } صم بكم عمي، أولا يسمعون من الأصوات غير صوتها، لشدة غليانها، واشتداد زفيرها وتغيظها.

ودخول آلهة المشركين النار، إنما هو الأصنام، أو من عبد، وهو راض بعبادته.

وأما المسيح، وعزير، والملائكة ونحوهم، ممن عبد من الأولياء، فإنهم لا يعذبون فيها، ويدخلون في قوله: { إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى } [5]

ـــــــــــــ

(1) - تفسير الطبري - (ج 1 / ص 189) (420 - 423) حسن صحيح

(2) - تفسير القرطبي (10/25)

(3) - تفسير ابن كثير - (ج 1 / ص 201) فما بعد

(4) - التخويف من النار - (ج 1 / ص 101)

(5) - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 531)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت