قال تعالى: {مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} (15) سورة الإسراء
مَنِ اسْتَقَامَ عَلَى طَرِيقِ الحَقِّ وَاتَّبَعَهُ ، وَاتَّبَعَ النُّورَ الذِي بُعِثَ بِهِ مُحَمَّدُ - صلى الله عليه وسلم - فِإِنَّهُ يَكُونُ قَدِ اهْتَدَى ، وَتَكُونُ عَاقِبَةُ هُدَاهُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَمَنْ ضَلَّ عَنِ الحَقِّ ، وَزَاغَ عَنْ سَبِيلِ الرَّشَادِ ، فَإِنَّمَا يَجْنِي عَلَى نَفْسِهِ ، وَيَعُودُ وَبَالُ سَعْيهِ عَلَيْهِ هُوَ ، وَلاَ يَحْمِلُ أَحَدٌ ذَنْبَ أَحَدٍ ، وَلاَ يَجْنِي جَانٍ إِلاَّ عَلَى نَفْسِهِ .
وَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ لاَ يُعَذِّبُ أَحَدًا إِلاَّ بَعْدَ قِيَامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ إِلَيْهِ ، يَدْعُونَهُ إِلَى الحَقِّ .
وقال القرطبي:"قوله تعالى: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولًا } أي لم نترك الخلق سُدًى ، بل أرسلنا الرسل . وفي هذا دليل على أن الأحكام لا تثبت إلا بالشرع ، خلافًا للمعتزلة القائلين بأن العقل يقبّح ويحسّن ويبيح ويحظر . والجمهور على أن هذا في حكم الدنيا؛ أي أن الله لا يهلك أمة بعذابٍ إلا بعد الرسالة إليهم والإنذار . وقالت فرقة: هذا عام في الدنيا والآخرة ، لقوله تعالى: { كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌقَالُواْ بلى قَدْ جَآءَنَا } [ الملك: 8 ] قال ابن عطية: والذي يعطيه النظر أن بعثه آدم عليه السلام بالتوحيد وبَثّ المعتقدات في بنيه مع نصب الأدلة الدالة على الصانع مع سلامة الفِطَر توجب على كل أحد من العالم الإيمان واتباع شريعة الله ، ثم تجدد ذلك في زمن نوح عليه السلام بعد غرق الكفار . وهذه الآية أيضًا يعطي احتمال ألفاظها نحو هذا في الذين لم تصلهم رسالة ، وهم أهل الفَتَرات الذين قد قدّر وجودَهم بعضُ أهل العلم ."
وأما ما روي من أن الله تعالى يبعث إليهم يوم القيامة وإلى المجانين والأطفال فحديث لم يصح ، ولا يقتضي ما تعطيه الشريعة من أن الآخرة ليست دار تكليف . قال المهدوِيّ: وروي عن أبي هريرة أن الله عز وجل يبعث يوم القيامة رسولًا إلى أهل الفترة والأبكم والأخرس والأصم؛ فيطيعه منهم من كان يريد أن يطيعه في الدنيا ، وتلا الآية؛ رواه معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة ، ذكره النحاس .قلت: هذا موقوف ، ولا يصح وقد استدلّ قوم في أن أهل الجزائر إذا سمعوا بالإسلام وآمنوا فلا تكليف عليهم فيما مضى؛ وهذا صحيح ، ومن لم تبلغه الدعوة فهو غير مستحق للعذاب من جهة العقل ، والله أعلم . [1]
وقال السعدي:"أي: هداية كل أحد وضلاله لنفسه لا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يدفع عنه مثقال ذرة من الشر، والله تعالى أعدل العادلين لا يعذب أحدا حتى تقوم عليه الحجة بالرسالة ثم يعاند الحجة."
وأما من انقاد للحجة أو لم تبلغه حجة الله تعالى فإن الله تعالى لا يعذبه.
واستدل بهذه الآية على أن أهل الفترات وأطفال المشركين، لا يعذبهم الله حتى يبعث إليهم رسولا لأنه منزه عن الظلم. [2]
وقال ابن عاشور:"ودلت الآية على أن الله لا يؤاخذ الناس إلا بعد أن يرشدهم رحمة منه لهم . وهي دليل بين على انتفاء مؤاخذة أحد ما لم تبلغه دعوة رسول من الله إلى قوم ، فهي حجة للأشعري ناهضة على الماتريدي والمعتزلة الذين اتفقوا على إيصال العقل إلى معرفة وجود الله ، وهو ما صرح به صدر الشريعة في التوضيح في المقدمات الأربع . فوجود الله وتوحيده عندهم واجبان بالعقل فلا عذر لمن أشرك بالله وعطل ولا عذر له بعد بعثة رسول ."
وتأويل المعتزلة أن يراد بالرسول العقل تطوُّحٌ عن استعمال اللغة وإغماض عن كونه مفعولًا لفعل { نبعث } إذ لا يقال بعث عقلًا بمعنى جعل ." [3] "
وقال الشنقيطي:"ظاهر هذه الآية الكريمة: أن الله جلَّ وعلا لا يعذب أحدًا من خلقه لا في الدنيا ولا في الآخرة . حتى يبعث إليه رسولًا ينذره ويحذره فيعصى ذلك الرسول ، ويستمر على الكفر والمعصية بعد الإنذار والإعذار ."
وقد أوضح جلَّ وعلا هذا المعنى في آيات كثيرة ، كقوله تعالى: { رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل } [ النساء: 165 ] فصرح في هذه الآية الكريمة: بأن لا بد من أن يقطع حجة كل أحد بإرسال الرسل ، مبشرين من أطاعهم بالجنة ، ومنذرين من عصاهم النار .
وهذه الحجة التي أوضح هنا قطعها بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين . بينها في آخر سورة طه بقوله: { وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ ونخزى } [ طه: 134 ] .
وأشار لها في سورة القصص بقوله: { ولولا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتِّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين }
[ القصص: 47 ] ، وقوله جلَّ وعلا: { ذلك أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ } [ الأنعام: 131 ] ، وقوله: { يَا أَهْلَ الكتاب قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ على فَتْرَةٍ مَّنَ الرسل أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ } [ المائدة: 19 ] الآية ، وكقوله: { وهذا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فاتبعوه واتقوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَن تقولوا إِنَّمَآ أُنزِلَ الكتاب على طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا الكتاب لَكُنَّآ أهدى مِنْهُمْ فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ } [ الأنعام: 155-157 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات .
ويوضح ما دلت عليه هذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن العظيم من أن الله جلَّ وعلا لا يعذب أحدًا إلا بعد الإنذار والإعذار على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام - تصريحه جلَّ وعلا في آيات كثيرة: فمنها قوله جلَّ وعلا: { كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُواْ بلى قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ الله مِن شَيْءٍ } [ الملك: 8-9 ] الآية .
ومعلوم أن قوله جلَّ وعلا: { كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ } [ الملك: 8 ] يعم جميع الأفواج الملقين في النار .
قال أبو حيان في » البحر المحيط « في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها ما نصه: » وكلما « تدل على عموم أزمان الإلقاء فتعم الملقين . ومن ذلك قوله جلَّ وعلا: { وَسِيقَ الذين كفروا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حتى إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هذا قَالُواْ بلى ولكن حَقَّتْ كَلِمَةُ العذاب عَلَى الكافرين } [ الزمر: 71 ] ، وقوله في هذه الآية: { وَسِيقَ الذين كفروا } عام لجميع الكفار .
وقد تقرر في الأصول: أن الموصولات كالذي والتي وفروعهما من صيغ العموم . لعمومها في كل ما تشمله صلاتها ، وعقد في مراقي السعود بقوله في صيغ العموم .
صيغة كل أو الجميع ... وقد تلا الذي التي الفروع
ومراده بالبيت: أن لفظة » كل ، وجميع ، والذي ، والتي « وفروعهما من صيغ العموم . فقوله تعالى: { وَسِيقَ الذين كفروا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا } إلى قوله { قالوا بلى } عام في جميع الكفار . وهو ظاهر في أن جميع أهل النار قد أنذرتهم الرسل في دار الدنيا . فعصوا أمر ربهم كما هو واضح .
ونظيره أيضًا قوله تعالى: { والذين كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يقضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ النذير } [ فاطر: 36-37 ] . فقوله { والذين كفروا لهم نار جهنم } إلى قوله { وجاءكم النذير } عام أيضًا في جميع أهل النار . كما تقدم إيضاحه قريبًا .
ونظير ذلك قوله تعالى: { وَقَالَ الذين فِي النار لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادعوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ العذاب قالوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بالبينات قَالُواْ بلى قَالُواْ فادعوا وَمَا دُعَاءُ الكافرين إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ } [ غافر: 49-50 ] ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن جميع أهل النار أنذرتهم الرسل في دار الدنيا .
وهذه الآيات التي ذكرنا وأمثالها في القرآن تدلُّ على عذر أهل الفترة بأنهم لم يأتهم نذير ولو ماتوا على الكفر . وبهذا قالت جماعة من أهل العلم .
وذهبت جماعة أخرى من أهل العلم إلى أن كل من مات على الكفر فهو في النار ولو لم يأته نذير ، واستدلوا بظواهر آيات من كتاب الله ، وبأحاديث عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - . فمن الآيات التي استدلوا بها قوله تعالى: { وَلاَ الذين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أولئك أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } [ النساء: 18 ] ، وقوله: { إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله والملائكة والناس أَجْمَعِينَ } [ البقرة: 161 ] ، وقوله: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرض ذَهَبًا وَلَوِ افتدى بِهِ أولئك لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ } [ آل عمران: 91 ] ، وقوله: { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ } [ النساء: 48 ] ، وقوله: { وَمَن يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السمآء فَتَخْطَفُهُ الطير أَوْ تَهْوِي بِهِ الريح فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ } [ الحج: 31 ] ، وقوله { إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الجنة } [ المائدة: 72 ] الاية وقوله: { قالوا إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الكافرين } [ الأعراف: 50 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .
وظاهر جيمع هذه الآيات العموم . لأنها لم تخصص كافرًا دون كافر ، بل ظاهرها شمول جميع الكفار.
ومن الأحاديث الدالة على أن الكفار لا يعذرون في كفرهم بالفترة ما أخرجه مسلم في صحيحه عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ أَبِى قَالَ « فِى النَّارِ » . فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ فَقَالَ « إِنَّ أَبِى وَأَبَاكَ فِى النَّارِ » [4] .
وقال مسلم رحمه الله في صحيحه أيضًا عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « اسْتَأْذَنْتُ رَبِّى أَنْ أَسْتَغْفِرَ لأُمِّى فَلَمْ يَأْذَنْ لِى وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِى » [5] .
وروى عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ زَارَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ فَقَالَ « اسْتَأْذَنْتُ رَبِّى فِى أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِى وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِى أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِى فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ » [6] . إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على عدم عذر المشركين بالفترة .
وهذا الخلاف مشهور بن أهل الأصول - هل المشركون الذين ماتوا في الفترة وهو يعبدون الأوثان في النار لكفرهم . أو معذورون بالفترة؟ وعدد في « مراقي السعود » بقوله:
ذو فترة بالفرع لا يراع ... وفي الأصول بينهم نزاع
وممن ذهب إلى أن أهل الفترة الذين ماتوا على الكفر في النار: النووي في شرح مسلم ، وحكى عليه القرافي في شرح التنقيح الإجماع . كما نقله عنه صاحب « نشر البنود » .
وأجاب أهل هذا القول عن قوله تعالى: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولًا } [ الإسراء: 15 ] من أربعة أوجه:
الأول - أن التعذيب المنفي في قوله { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ } الآية ، وأمثالها من الآيات . إنما هو التعذيب الدنيوي كما وقع في الدنيا من العذاب بقوم نوح ، وقوم هود ، وقوم صالح ، وقوم لوط ، وقوم شعيب ، وقوم موسى وأمثالهم . وإذا فلا ينافي ذلك التعذيب في الآخرة .
ونسب هذا القول القرطبي ، وأبو حيان ، والشوكاني وغيرهم في تفاسيرهم إلى الجمهور .
والوجه الثاني - أن محل العذر بالفترة المنصوص في قوله: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولًا } [ الإسراء: 15 ] الآية وأمثالها في غير الواضح الذي لا يخفى على أدنى عاقل . أما الواضح الذي لا يخفى على من عنده عقل كعبادة الأوثان فلا يعذر فيه أحد . لأن الكفار يقرون بأن الله هو ربهم ، الخالق الرازق ، النافع ، الضار . ويتحققون كل التحقق أن الأوثان لا تقدر على جلب نفع ولا على دفع ضر . كما قال عن قوم إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: { لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هؤلاء يَنطِقُونَ } [ الأنبياء: 65 ] وكما جاءت الآيات القرآنية بكثرة بأنهم وقت الشدائد يخلصون الدعاء لله وحده . لعملهم أن غيره لا ينفع ولا يضر . كقوله { فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الفلك دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } [ العنكبوت: 65 ] الآية ، وقوله: { وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كالظلل دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } [ لقمان: 32 ] الآية ، وقوله: { وَإِذَا مَسَّكُمُ الضر فِي البحر ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ } [ الإسراء: 67 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات . ولكن الكفار غالطوا أنفسهم لشدة تعصبهم لأوثانهم - فزعموا أنها تقربهم إلى الله زلفى ، وأنها شفعاؤهم عند الله . مع أن العقل يقطع بنفي ذلك.
الوجه الثالث أن عندهم بقية إنذار مما جاءت به الرسل الذين أرسلوا قبل نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - . كإبراهيم وغيره . وأن الحجة قائمة عليهم بذلك . وجزم بهذا النووي في شرح مسلم ، ومال إليه العبادي في ( الآيات البينات ) .
الوجه الرابع - ما جاء من الأحاديث الصحيحة عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - ، الدالة على أن بعض أهل الفترة في النار . كما قدمنا بعض الأحاديث الواردة بذلك في صحيح مسلم وغيره .
وأجاب القائلون بعذرهم بالفترة عن هذه الأوجه الأربعة -
فأجابوا عن الوجه الأول ، وهو كون التعذيب في قوله: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولًا } [ الإسراء: 15 ] إنما هو التعذيب الدنيوي دون الأخروي من وجيهين:
الأول - أنه خلاف ظاهر القرآن ،لأن ظاهر القرآن انتفاء التعذيب مطلقًا ، فهو أعم من كونه في الدنيا . وصرف القرآن عن ظاهره ممنوع إلا بدليل يجب الرجوع إليه .
الوجه الثاني - أن القرآن دل في آيات كثيرة على شمول التعذيب المنفي في الآية للتعذيب في الآخرة . كقوله: { كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُواْ بلى } [ الملك: 8-9 ] وهو دليل على أن جميع أفواج أهل النار ما عذبوا في الآخرة إلى بعد إنذار الرسل . كما تقدم إيضاحه بالآيات القرآنية .
وأجابوا عن الوجه الثاني - وهو أن محل العذر بالفترة في غير الواضح الذي لا يخفى على أحد - بنفس الجوابين المذكورين آنفًا . لأن الفرق بين الواضح وغيره مخالف لظاهر القرآن ، فلا بد له من دليل يجب الرجوع إليه ، ولأن الله نقم على أن أهل النار ما عذبوا بها حتى كذبوا الرسل في دار الدنيا ، بعد إنذارهم من ذلك الكفر الواضح ، كما تقدم إيضاحه .
وأجابوا عن الوجه الثالث الذي جزم به النووي ، وما إليه العبادي وهو قيام الحجة عليهم بإنذار الرسل الذين أرسلوا على ألسنة بعض الرسل والقرآن ينفي هذا نفيًا باتًا في آيات كثيرة . كقوله في « يس » { لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ } [ يس: 6 ] و « مَا » في قوله { أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ } نافيه على التحقيق ، لا موصولة ، وتدل لذلك الفاء في قوله { فَهُمْ غَافِلُونَ } ، وكقوله في « القصص » : { وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور إِذْ نَادَيْنَا ولكن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ } [ القصص: 46 ] الآية ، وكقوله في « سبأ » { وَمَآ آتَيْنَاهُمْ مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِّن نَّذِيرٍ } [ سبأ: 44 ] ، وكقوله في « ألم السجدة » : { أَمْ يَقُولُونَ افتراه بَلْ هُوَ الحق مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ } [ السجدة: 3 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات .
وأجابوا عن الوجه الرابع - بأن تلك الأحاديث الواردة في صحيح مسلم وغيره أخبار آحاد يقدم عليها القاطع ، وهو قوله: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولًا } [ الإسراء: 15 ] ، وقوله: { كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُواْ بلى } [ الملك: 8-9 ] ، ونحو ذلك من الآيات .
وأجاب القائلون بالعذر بالفترة أيضًا عن الآيات التي استدل بها مخالفوهم كقوله: { وَلاَ الذين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أولئك أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } [ النساء: 18 ] ، إلى آخر ما تقدم من الآيات - بأن محل ذلك فيما إذا أرسلت إليهم الرسل فكذبوهم بدليل قوله: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولًا } [ الإسراء: 15 ] .
وأجاب القائلون بتعذيب عبدة الأوثان من أهل الفترة عن قول مخالفيهم: إن القاطع الذي هو قوله تعالى: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولًا } يجب تقديمه على أخبار الآحاد الدالة على تعذيب بعض أهل الفترة ، كحديثي مسلم في صحيحه المتقدمين - بأن الآية عامة ، والحديثين كلاهما خاص في شخص معين .
والمعروف في الأصول أنه لا يتعارض عام وخاص . لأن الخاص يقضي على العام كما هو مذهب الجمهور ، خلافًا لأبي حنيفة رحمه الله ، كما بيناه في غير هذا الموضع .
فما أخرجه دليل خاص خرج من العموم ، وما لم يخرجه دليل خاص بقي داخلًا في العموم . كما تقرر في الأصول .
وأجاب المانعون بأن هذا التخصيص يبطل حكمة العام . لأن الله جل وعلا تمدح بكمال الإنصاف . وأنه لا يعذب حتى يقطع حجة المعذب بإنذار الرسل في دار الدنيا ، وأشار لأن ذلك الإنصاف الكامل ، والإعذار الذي هو قطع العذر عله لعدم التعذيب . فلو عذب إنسانًا واحدًا من غير إنذار لاختلت تلك الحكمة التي تمدح الله بها ، ولثبتت لذلك الإنسان الحجة التي أرسل الله الرسل لقطعها . كما بينه بقوله: { رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل } [ النساء: 165 ] الآية ، وقوله: { وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ ونخزى } [ طه: 134 ] كما تقدم إيضاحه .
وأجاب المخالفون عن هذا - بأنه لو سلم أن عدم الإنذار في دار الدنيا علة لعدم التعذيب في الآخرة ، وحصلت علة الحكم التي هي عدم الإنذار في الدنيا ، مع فقد الحكم الذي هو عدم التعذيب في الآخرة للنص في الأحاديث على التعذيب فيها . فإن وجود علة الحكم مع فقد الحكم المسمى في اصطلاح أهل الأصول ، وعقد الأقوال في ذلك صاحب « مراقي السعود » بقوله في مبحث القوادح:
منها وجود الوصف دون الحكم ... سماه بالنقض وعاة العلم
والأكثرون عندهم لا يقدح ... بل هو تخصيص وذا مصحح
وقد روي عن مالك تخصيص ... أن يك الاستنباط لا التنصيص
وعكس هذا قد رآه البعض ... ومنتفى ذي الاختصار النقض
إن لم تكن منصوصة بظاهر ... وليس فيما استنبطت بضائر
إن جار لفقد الشرط أو لما منع ... والوفق في مثل العرايا قد وقع
فقد أشار في الأبيات إلى خمسة أقوال في النقض: هل هو تخصيص ، أو إبطال للعلة ، مع التفاصيل التي ذكره في الأقوال المذكورة .
واختار بعض المحققين من أهل الأصول: أن تخلف الحكم عن الوصف إن كان لأجل مانع منع من تأثير العلة ، أو لفقد شرط تأثيرها فهم تخصيص للعلة ، وإلا فهو نقض وإبطال لها . فالقتل العمد العدوان علة لوجوب القصاص إجماعًا .
فإذا وجد هذا الوصف المركب الذي هو القتل العمد العدوان ، ولم يوجد الحكم الذي هو القصاص في قتل الوالد ولده لكون الأبوة مانعًا من تأثير العلة في الحكم - فلا يقال هذه العلة منقوضة .
لتخلف الحكم عنها في هذه الصورة ، بل هي علة منع من تأثيرها مانع . فيخصص تأثيرها بما لم يمنع منه مانع .
وكذلك من زوج أمته من رجل ، وغره فزعم له أنها حرة فولد منها . فإن الولد يكون حرًا ، مع أن رق الأم علة لرق الولد إجماعًا . لأن كل ذات رحم فولدها بمنزلتها . لأن الغرور مانع منع من تأثير العلة التي هي رق الأم في الحكم الذي هو رق الولد .
وكذلك الزنى: فإنه علم للرجم إجماعًا .
فإذا تخلف شرط تأثير هذه العلة التي هي الزنى في هذا الحكم الذي هو الرجم ، ونعني بذلك الشرط الإحصان . فلا يقال إنها علة منقوضة ، بل هي علة تخلف شرط تأثيرها . وأمثال هذا كثيرة جدًا . هكذا قاله بعض المحققين .
قال مقيده عفا الله عنه: الذي يظهر: أن آية « الحشر » دليل على أن النقض تخصيص للعلة مطلقًا ، والله تعالى أعلم . ونعني بآية « الحشر » قوله تعالى في بني النضير: { وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ الله عَلَيْهِمُ الجلاء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدنيا وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابُ النار } [ الحشر: 3 ] .
(1) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 3246)
(2) - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 455)
(3) - التحرير والتنوير - (ج 8 / ص 273)
(4) - صحيح مسلم (521 ) -قفى: ذهب موليا
(5) - صحيح مسلم (2303)
(6) - صحيح مسلم (2304)