فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 208

قال تعالى: ( وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ(19) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24) وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25) [فصلت/19، 25] )

وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ حَالَ الكُفَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ وَيَرْتَدِعُونَ عَنْ غِوَايَاتِهِمْ ، فَفِي ذَلِكَ اليَومِ يُسَاقُ الكَفَرَةُ أَعْدَاءُ اللهِ إِلَى النَّارِ ، فَتَحْبِسُ الزَّبَانِيَةُ أَوَلَّهُمْ عَلَى آخِرِهِمْ ( أَيْ تَقِفُهُمُ المَلاَئِكَةُ حَتَّى يَتَلاَحَقُوا ، وَيَتَكَامَلَ جَمْعُهُمْ ) . حَتَّى إِذَا وَصَلُوا إِلَى النَّارِ وَوَقَفُوا عَلَيْهَا ، شَهِدَتْ عَلَيْهِمْ جَوَارِحُهُمْ ( سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ ) بِمَا كَانُوا يَجْتَرِحُونَ فِي الدُّنْيَا مِنَ المَعَاصِي ، وَبِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ مِنْ أَعْمَالٍ ، لاَ يَكْتُمُونَ مِنْهَا شَيْئًا .

فَيَقُولُ المُجْرِمُونَ لِجُلُودِهِمْ ، وَهُمْ يَلُومُوَنَها عَلَى شَهَادَتِهَا عَلَيْهِمْ: لِمَاذَا شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا؟ فَتَرُدُّ الجُلُودُ قَائِلَةً: إِنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الذِي أَنْطَقَهَا ، وَهُوَ تَعَالَى الذِي خَلَقَهَا وَخَلَقَهُمْ ، وَإِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ، فَهُوَ تَعَالَى لاَ يُخَالَفُ وَلاَ يُمَانَعُ .

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: ضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ تَبَسَّمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: أَلا تَسْأَلُونِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتُ ؟ فَقَالَ: عَجِبْتُ مِنْ مُجَادَلَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، يَقُولُ: يَا رَبِّ ، أَلَيْسَ وَعَدْتَنِي أَنْ لاَ تَظْلِمَنِي ؟ قَالَ: بَلَى ، قَالَ: فَإِنِّي لاَ أَقْبَلُ عَلَيَّ شَهَادَةَ شَاهِدٍ إِلاَّ مِنْ نَفْسِي ، فَيَقُولُ: أَوْ لَيْسَ كَفَى بِي شَهِيدًا ، وَبِالْمَلائِكَةِ الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ ؟ قَالَ: فَيُرَدِّدُ هَذَا الْكَلامَ مَرَّاتٍ ، فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ ، وَتَكَلَّمُ أَرْكَانُهُ بِمَا كَانَ يَعْمَلُ ، فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُمْ وَسُحْقًا ، عَنْكُمْ كُنْتُ أُجَادِلُ" [1] "

وَتَقُولُ لَهُمْ جَوَارِحُهُمْ وَجُلُودُهُمْ: وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَخْفُونَ مِنَّا حِينَمَا كُنْتُمْ تَرْتَكِبُونَ الفَوَاحِشَ حَذَرًا مِنْ أَنْ نَشْهَدَ عَلَيْكُمْ ، بَلْ كُنْتُمْ تُجَاهِرُونَ اللهَ تَعَالَى بِالكُفْرِ والمَعَاصِي ، لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ لاَ تَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ يَعْلَمُ جَمِيعَ أَفْعَالِكُمْ .

وَهَذَا الظَّنُّ الفَاسِدُ بِأَنَّ اللهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ هُوَ الذِي أَرْدَاكُمْ وَأَوْصَلَكُمْ إِلَى الهَلَكَةِ ، فَصِرْتُمْ اليَومَ مِنَ الهَالِكِينَ الخَاسِرِينَ .

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِىِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلاَثَةِ أَيَّامٍ يَقُولُ « لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ » . [2]

وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَصَبَرُوا أَمْ لَمْ يَصْبِرُوا فَإِنَّهُمْ فِي النَّارِ لاَ مَحيدَ لَهُمْ عَنْهَا ، وَلاَ خُرُوجَ لَهُمْ مِنْهَا ، وَإِنْ طَلَبُوا أَنْ يَسْتَعِتبُوا وَيُبْدُوا مَعَاذِيرَهُمْ فَلَنْ يُقْبَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ ، وَلاَ تُقَالُ عَثَرَاتُهُمْ .

وَيَسَّرَ اللهُ تَعَالَى لِهَؤُلاَءِ الكَافِرِينَ أَخْدَانًا وَأَقْرَانًا مِنْ شَيَاطِينِ الجِنِّ وَالإِنْسِ ، فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَينَ أَيْدِيهِمْ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا مِنَ الضَّلاَلَةِ وَالكُفْرِ واتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ ، وَمَا خَلْفَهُمْ مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ ، فَحَسَّنُوا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَلَمْ يَرَوْا أَنْفُسَهُمْ إِلاَ مُحْسِنِينَ ، وَأَوْحَوْا إِلَيْهِمْ إِنَّهُ لاَ جَنَّةَ وَلاَ نَارَ وَلاَ حِسَابَ ، فَوَجَبَ عَلَيهِمْ مِنَ العَذَابِ مَا وَجَبَ عَلَى الذِينَ كَفَرُوا مِنْ ٌَقَبْلِهِمْ مِمَّنْ فَعَلُوا مِثْلَ أَفْعَالِِهِمْ ، فَكَانُوا جَمِيعًا فِي الخَسَارِ والدَّمَارِ ، وَاسْتَحَقُّوا اللَّعْنَ والخِزْيَ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ .

ـــــــــــــ

(1) - المستدرك للحاكم (8778) حسن

(2) - صحيح مسلم (7412 )

قَالَ الْعُلَمَاء: مَعْنَى ( حُسْن الظَّنّ بِاَللَّهِ تَعَالَى ) أَنْ يَظُنّ أَنَّهُ يَرْحَمهُ وَيَعْفُو عَنْهُ ، قَالُوا: وَفِي حَالَة الصِّحَّة يَكُون خَائِفًا رَاجِيًا ، وَيَكُونَانِ سَوَاء ، وَقِيلَ: يَكُون الْخَوْف أَرْجَح ، فَإِذَا دَنَتْ أَمَارَات الْمَوْت غَلَبَ الرَّجَاء أَوْ مَحْضه ؛ لِأَنَّ مَقْصُود الْخَوْف: الِانْكِفَاف عَنِ الْمَعَاصِي وَالْقَبَائِح ، وَالْحِرْصُ عَلَى الْإِكْثَار مِنَ الطَّاعَات وَالْأَعْمَال ، وَقَدْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ أَوْ مُعْظَمه فِي هَذَا الْحَال ، فَاسْتُحِبَّ إِحْسَان الظَّنّ الْمُتَضَمِّن لِلِافْتِقَارِ إِلَى اللَّه تَعَالَى ، وَالْإِذْعَان لَهُ ، وَيُؤَيِّدهُ الْحَدِيث الْمَذْكُور بَعْده ( يُبْعَث كُلّ عَبْد عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ ) وَلِهَذَا عَقَّبَهُ مُسْلِم لِلْحَدِيثِ الْأَوَّل . قَالَ الْعُلَمَاء: مَعْنَاهُ: يُبْعَث عَلَى الْحَالَة الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا ، وَمِثْله الْحَدِيث الْآخَر بَعْده ( ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى نِيَّاتهمْ ) .شرح النووي على مسلم - (ج 9 / ص 256)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت