المبحث الثاني والثلاثون
أعظمُ عذابِ أهل النَّار
كما أنَّ رضوان الله تعالى على أهل الجنة وتجلِّيه لهم أعظم من كلِّ نعيم الجنة, فإنَّ أعظم عذاب أهل النار هو حجابهم عن الله عزَّ وجلَّ وإبعادهم عنه,وإعراضه عنهم, وسخطه عليهم, قال تعالى: (كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ* كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ* ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الجَحِيمِ* ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ) {المطففين:14-17} .
وَلَيْسَ الأَمْرُ كَمَا زَعَمُو مِنْ أَنَّ هَذَا القُرْآنَ هُوَ مِنْ أَسَاطِيرِ الأَوَّلِينَ ، وَإِنَّمَا هُوَ كَلاَمُ اللهِ إِلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، وَلَكِنَّ الذِي حَجَبَ عَنْ قُلُوبِهِمْ الإِيْمَانَ هُوَ مَا عَلاَ قُلُوبَهُمْ وَغَطَّاهَا مِنْ تَرَاكُمْ الذُّنُوبِ ، وَتَوَالِي الإِقْدَامِ عَلَى مُنْكَرِ الأَعْمَالِ ، حَتَّى اعْتَادُوهَا ، وَصَارَتْ سَبَبًا لَهُمْ لِحُصُولِ الرِّيْن عَلَى قُلُوبِهِمْ ، الأُمُورِ عَلَيْهِمْ .
يَزْجُرُ اللهُ تَعَالَى هَؤُلاَءِ المُكَذِّبِينَ ، الذِينَ يَقُولُونَ إِنَّ القُرْآنَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ، والذِينَ يَدَّعُوْنَ أَنَّهُمْ سَيَكُونُونَ عِنْدَ اللهِ مِنَ المُقَرَّبِينَ يَوْمَ القِيَامَةِ ، فَيَقُولُ لَهُمْ: لَيْسَ الأَمْرُ كَمَا زَعَمُوا ، فَهُمْ سَيُطْرَدُونَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ ، وَسَيُحْجَبُونَ عَنْ رُؤْيَتِهِ .
وَبَعْدَ أَنْ يُحْجَبُوا يَوْمَ القِيَامَةِ عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِمْ ، يُقْذَفُ بِهِمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ، وَيَصْلَونَ سَعِيرَهَا ، وَيُقَاسُونَ حَرَّهَا .
فذكر الله تعالى ثلاثة أنواع ٍمن العذاب: حجابهم عن الله,ثمَّ صليهم الجحيم, ثمَّ توبيخهم بتكذيبهم به في الدنيا. وذلك بعد أن وصفهم بالرَّان على قلوبهم-وهو الصدأ- بسبب المعاصي والذنوب.
وعن أبي عمران الجوني، قال: لم ينظر الله تعالى إلى إنسان قط إلا رحمه، ولو نظر إلى أهل النار لرحمهم، ولكنه قضى أنه لا ينظر إليهم. [1]
ـــــــــــــ
(1) - حلية الأولياء - (ج 1 / ص 1)