الفصل التاسع
حوض النبي - صلى الله عليه وسلم -
يكرم الله عبده ورسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - في الموقف العظيم بإعطائه حوضا واسع الأرجاء ماؤه أبيض من اللبن ، وأحلى من العسل ، وريحه أطيب من المسك ، وكيزانه كنجوم السماء ، يأتيه هذا الماء الطيب من نهر الكوثر ، الذي أعطاه لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في الجنة ، ترد عليه أمة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ، من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا.
وقد اختلف أهل العلم في موضعه فذهب الغزالي والقرطبي إلى أنه يكون قبل المرور على الصراط في عرصات يوم القيامة، واستدلوا على ذلك بأنه يؤخذ بعض وارديه إلى النار فلو كان بعد الصراط لما استطاعوا الوصول إليه، واستظهر ابن حجر أن مذهب البخاري أن الحوض يكون بعد الصراط لأن البخاري أورد أحاديث الحوض بعد أحاديث الشفاعة ، وأحاديث نصب الصراط . وما ذهب إليه الغزالي والقرطبي أرجح .
الأحاديث الواردة فيه
عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « حَوْضِى مَسِيرَةُ شَهْرٍ ، مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ ، وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ ، مَنْ شَرِبَ مِنْهَا فَلاَ يَظْمَأُ أَبَدًا » متفق عليه [1] .
وعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، قَالَ: قَالَ: ابْنُ عَمْرٍو ، قَالَ: رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ ، زَوَايَاهُ سَوَاءً ، مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ الثَّلْجِ ، وَأَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ ، آنِيَتُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لاَ يَظْمَأُ بَعْدَهُ أَبَدًا. [2]
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِنَّ حَوْضِى أَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ لَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْجِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ بِاللَّبَنِ وَلآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُومِ وَإِنِّى لأَصُدُّ النَّاسَ عَنْهُ كَمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِبِلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ » . قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَعْرِفُنَا يَوْمَئِذٍ قَالَ « نَعَمْ لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لأَحَدٍ مِنَ الأُمَمِ تَرِدُونَ عَلَىَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ » [3] .المحجل: أبيض مواضع الوضوء من اليدين -الغر: جمع الأغر وهو أبيض الوجه
وعَنْ قَتَادَةَ قَالَ قَالَ أَنَسٌ قَالَ نَبِىُّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « تُرَى فِيهِ أَبَارِيقُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ » [4] .
وعَنْ ثَوْبَانَ أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِنِّى لَبِعُقْرِ حَوْضِى أَذُودُ النَّاسَ لأَهْلِ الْيَمَنِ أَضْرِبُ بِعَصَاىَ حَتَّى يَرْفَضَّ عَلَيْهِمْ » . فَسُئِلَ عَنْ عَرْضِهِ فَقَالَ « مِنْ مَقَامِى إِلَى عَمَّانَ » . وَسُئِلَ عَنْ شَرَابِهِ فَقَالَ « أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ يَغُتُّ فِيهِ مِيزَابَانِ يَمُدَّانِهِ مِنَ الْجَنَّةِ أَحَدُهُمَا مِنْ ذَهَبٍ وَالآخَرُ مِنْ وَرِقٍ » [5] .
يغت: يدفق فيه دفقا دائما متتابعا -الورق: الفضة -الميزاب: أنبوبة تركب في جانب البيت من أعلاه لينصرف منها ماء المطر
وعَنْ حَارِثَةَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « حَوْضُهُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَالْمَدِينَةِ » . فَقَالَ لَهُ الْمُسْتَوْرِدُ أَلَمْ تَسْمَعْهُ قَالَ « الأَوَانِى » . قَالَ لاَ. فَقَالَ الْمُسْتَوْرِدُ « تُرَى فِيهِ الآنِيَةُ مِثْلَ الْكَوَاكِبِ » [6] .
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « إِنَّ أَمَامَكُمْ حَوْضًا مَا بَيْنَ نَاحِيَتَيْهِ كَمَا بَيْنَ جَرْبَا وَأَذْرُحَ » [7] .
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِنَّ أَمَامَكُمْ حَوْضًا كَمَا بَيْنَ جَرْبَا وَأَذْرُحَ فِيهِ أَبَارِيقُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ مَنْ وَرَدَهُ فَشَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا » [8] .
وعَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا آنِيَةُ الْحَوْضِ قَالَ « وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ وَكَوَاكِبِهَا أَلاَ فِى اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ الْمُصْحِيَةِ آنِيَةُ الْجَنَّةِ مَنْ شَرِبَ مِنْهَا لَمْ يَظْمَأْ آخِرَ مَا عَلَيْهِ يَشْخُبُ فِيهِ مِيزَابَانِ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ عَرْضُهُ مِثْلُ طُولِهِ مَا بَيْنَ عَمَّانَ إِلَى أَيْلَةَ مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ » [9] .
يشخب: يسيل -المصحية: التى لا غيم فيها -الميزاب: أنبوبة تركب في جانب البيت من أعلاه لينصرف منها ماء المطر
وعَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ الْبَجَلِيِّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ. [10]
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: مَا بَيْنَ نَاحِيَتَيْ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ ، وَالْمَدِينَةِ. [11]
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ: مَا بَيْنَ نَاحِيَتَيْ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ ، وَصَنْعَاءَ ، أَوْ كَمَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ ، وَعَمَّانَ. [12]
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَذِهِ الأَخْبَارُ الأَرْبَعُ قَدْ تُوهِمُ مَنْ لَمْ يُحْكِمُ صِنَاعَةَ الْحَدِيثِ أَنَّهَا مُتَضَادَّةٌ ، أَوْ بَيْنَهَا تَهَاتِرُ ، لأَنَّ فِي خَبَرِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ: مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ ، وَالْمَدِينَةِ وَفِي خَبَرِ جَابِرٍ: مَا بَيْنَ أَيْلَةَ إِلَى مَكَّةَ ، وَفِي خَبَرِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ: مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ إِلَى بُصْرَى ، وَفِي خَبَرِ قَتَادَةَ: مَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَعَمَّانَ ، وَلَيْسَ بَيْنَ هَذِهِ الأَخْبَارِ تَضَادٌّ ، وَلاَ تَهَاتِرٌ ، لأَنَّهَا أَجْوِبَةٌ خَرَجَتْ عَلَى أَسْئِلَةٍ ذَكَرَ الْمُصْطَفَى - صلى الله عليه وسلم - ، فِي كُلِّ خَبَرٍ مِمَّا ذَكَرْنَا جَانِبًا مِنْ جَوَانِبِ حَوْضِهِ أَنَّ مَسِيرَةَ كُلَّ جَانِبٍ مِنْ حَوْضِهِ مَسِيرَةُ شَهْرٍ ، فَمِنْ صَنْعَاءَ إِلَى الْمَدِينَةِ مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِغَيْرِ الْمُسْرِعِ ، وَمِنْ أَيْلَةَ إِلَى مَكَّةَ كَذَلِكَ ، وَمِنْ صَنْعَاءَ إِلَى بُصْرَى كَذَلِكَ ، وَمِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى عَمَّانَ ، الشَّامِ كَذَلِكَ.
ـــــــــــــ
(1) - صحيح البخارى (6579 ) وصحيح مسلم (6111 )
(2) - صحيح ابن حبان - (ج 14 / ص 364) (6452) صحيح
(3) - صحيح مسلم (604 )
(4) - صحيح مسلم (6140 )
(5) - صحيح مسلم (6130 )
(6) - صحيح مسلم (6122 )
(7) - صحيح مسلم (6124 )
(8) - صحيح مسلم (6128)
(9) - صحيح مسلم (6129 )
(10) - صحيح ابن حبان - (ج 14 / ص 357) (6445) صحيح
(11) - صحيح ابن حبان - (ج 14 / ص 359) (6448) صحيح
(12) - صحيح ابن حبان - (ج 14 / ص 362) (6451) صحيح