فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 208

ذهب بعض العلماء إلى أن المراد بورود النار المذكور في قوله تعالى (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا(71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72) [مريم/71، 72] ) هو دخول النار ، وهذا قول ابن عباس ، وكان يستدلُّ على ذلك بقوله الله تعالى في فرعون: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ} (98) سورة هود، وبقوله تعالى: {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} (86) سورة مريم ، وقوله تعالى: { لَوْ كَانَ هَؤُلَاء آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ} (99) سورة الأنبياء ، وروى مسلم الأعور عن مجاهد ( وإن منكم إلا واردها ) قال: داخلها.

وذهب بعض أهل العلم إلى أن المراد بالورود هنا المرور على الصراط ، يقول شارح الطحاوية:"واختلف المفسرون في المراد بالورود المذكور في قوله تعالى: { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا } (مريم 71 ) - ما هو ؟ والأظهر والأقوى أنه المرور على الصراط ، قال تعالى: { ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا } (مريم 72) . وفي عن أُمِّ مُبَشِّرٍ ، أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، يَقُولُ عِنْدَ حَفْصَةَ:"لَا يَدْخُلُ النَّارَ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ ، الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا"قَالَتْ: بَلَى ، يَا رَسُولَ اللَّهِ فَانْتَهَرَهَا ، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا" [1] .

أشار - صلى الله عليه وسلم - إلى أن ورود النار لا يستلزم دخولها ، وأن النجاة من الشر لا تستلزم حصوله ، بل تستلزم انعقاد سببه ، فمن طلبه عدوه ليهلكوه ولم يتمكنوا منه ، يقال: نجاه الله منهم . ولهذا قال تعالى: { وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا } (هود 58) . { فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا } (هود 66 ) . و { وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا } (هود 94 ) . ولم يكن العذاب أصابهم ، ولكن أصاب غيرهم ، ولولا ما خصهم الله به من أسباب النجاة لأصابهم ما أصاب أولئك .

وكذلك حال الوارد في النار ، يمرون فوقها على الصراط ، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا . فقد بين - صلى الله عليه وسلم - في حديث أم مبشر المذكور: أن الورود هو الورود على الصراط ." [2] "

وأما ورود الكفار أهل النار ، فهذا ورود دخول لا شك في ذلك كما قال تعالى في شأن فرعون: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ} (98) سورة هود، أي بئس المدخل المدخول . والورود الثاني: ورود الموحدين ، أي مرورهم على الصراط على النحو المذكور في الأحاديث.

ـــــــــــــ

(1) - صحيح مسلم (6560 )

(2) - شرح الطحاوية في العقيدة السلفية - (ج 3 / ص 25)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت