الفصل الرابع عشر
أصحابُ الأعراف
قال تعالى: (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ(46) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) [الأعراف/46-47]
وَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ بَيْنَ أَهْلِ الجَنَّةِ ، وَأَهْلِ النَّارِ حِاجَزًا ( حِجَابًا ) يَمْنَعُ وُصُولَ أَهْلِ النَّارِ إِلَى الجَنَّةِ ، وَهُوَ السُّورُ الذِي قَالَ عَنْهُ تَعَالَى فِي آيَةٍ أَخْرَى { فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ } وَهُوَ الأَعْرَافُ .
وَيَقُولُ المُفسِّرُونَ: يَقِفُ عَلَى الأَعْرَافِ أُنَاسٌ تَسَاوَتْ حَسَنَاتُهُمْ مَعْ سَيِّئَاتِهِمْ ، فَلاَ هُمْ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ ، وَلا هُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ فِيهِمْ ، وَلكِنَّهُمْ يَطْمَعُونَ فِي أَنْ يُدْخِلَهُمُ اللهُ الجَنَّةَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ وَرَحْمَتِهِ .
وَأَهْلُ الأَعْرَافِ يَعْرِفُونَ كُلاًّ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَأَهْلِ الجَنَّةِ بِسِيمَاهُمُ التِي وَصَفَهُمُ اللهُ بِهَا ( وَهِيَ بَيَاضُ الوَجْهِ ، وَنَضْرَةُ النَّعِيمِ التِي تَعْلُو وُجُوهَ أَهْلِ الجَنَّةِ ، وَسَوادُ الوَجْهِ وَالقَتَرَةُ التِي تَرْهَقُ وُجُوهَ أَهْلِ النَّارِ ) . وَيَتَوَجَّهُ أَهْلُ الأَعْرَافِ إلَى أَهْلِ الجَنَّةِ بِالسَّلاَمِ قَائِلِينَ لَهُمْ: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ ، يَقُولُونَهَا مُهَنِّئِينَ بِالفَوْزِ بِالحِسَابِ ، طَامِعِينَ فِي أَنْ يُدِخِلََهُمُ اللهُ الجَنَّةَ مَعَهُمْ .
وَقَالَ مُفَسِّرُونَ آخَرُونَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى ( لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ) إِنَّ أَهْلَ الأَعْرَافِ يُسَلِّمُونَ عَلَى أَهْلِ الجَنَّةِ بَعْدَ أَنْ يَجْتَازُوا الحِسَابَ ، وَقَبْلَ أَنْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ ، إِذْ يَكُونُونَ طَامِعِينَ فِي دُخُولِهَا لِمَا رَأَوْهُ مِنْ يُسْرِ الحِسَابِ .
وَكُلَّمَا اتَّجَهَتْ أَبْصَارُهُمْ إلَى جِهَةِ أَهْلِ النَّارِ تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ مَنَازِلِهِمْ ، وَقَالُوا رَبَّنا لاَ تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ .
ذكر الله سبحانه وتعالى أَنَّ بَيْن الْجَنَّة وَالنَّار حِجَابًا وَهُوَ الْحَاجِز الْمَانِع مِنْ وُصُول أَهْل النَّار إِلَى الْجَنَّة، قَالَ اِبْن جَرِير: وَهُوَ السُّور الَّذِي قَالَ اللَّه تَعَالَى:" { فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ} (13) سورة الحديد"وَهُوَ الْأَعْرَاف الَّذِي قَالَ اللَّه تَعَالَى فِيه"وَعَلَى الْأَعْرَاف رِجَال"
عن عبيد الله بن أبي يزيد، سمع ابن عباس يقول:"الأعراف"، هو الشيء المشرف.
وعن ابن عباس قال:"الأعراف"، سور كعرف الديك.
وعن مجاهد قال:"الأعراف"، حجاب بين الجنة والنار، سور له باب = قال أبو موسى: وحدثني عبيد الله بن أبي يزيد: أنه سمع ابن عباس يقول: إن الأعراف تَلٌّ بين الجنة والنار، حُبس عليه ناسٌ من أهل الذنوب بين الجنة والنار.
وعن مجاهد، قال:"الأعراف"،حجاب بين الجنة والنار، سور له باب.
وعن ابن عباس قال:"الأعراف"، سور بين الجنة والنار.
وعن ابن عباس قوله: (وعلى الأعراف رجال) ، يعني بالأعراف: السور الذي ذكر الله في القرآن، وهو بين الجنة والنار.
وعن ابن عباس قال:"الأعراف"، سور له عُرْف كعرف الديك. [1]
واختلف أهل التأويل في صفة الرجال الذين أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم على الأعراف، وما السبب الذي من أجله صاروا هنالك.
فقال بعضهم: هم قوم من بني آدم، استوت حسناتهم وسيئاتهم، فجعلوا هنالك إلى أن يقضي الله فيهم ما يشاء، ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته إياهم.
ذكر من قال ذلك:
قَالَ الشَّعْبِيُّ: أَرْسَلَ إِلَيَّ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعِنْدَهُ أَبُو الزِّنَادِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذَكْوَانَ مَوْلَى قُرَيْشٍ ، وَإِذَا هُمَا قَدْ ذَكَرَا مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ ذِكْرًا لَيْسَ كَمَا ذَكَرَا ، فَقُلْتُ لَهُمَا: إِنْ شِئْتُمَا أَنْبَأْتُكُمَا بِمَا ذَكَرَ حُذَيْفَةُ ، فَقَالَا: هَاتِ فَقُلْتُ: إِنَّ حُذَيْفَةَ ذَكَرَ أَصْحَابَ الْأَعْرَافِ فَقَالَ:"هُمْ قَوْمٌ تَجَاوَزَتْ بِهِمْ حَسَنَاتُهُمُ النَّارَ وَقَصُرَتْ بِهِمْ سَيِّئَاتُهُمْ عَنِ الْجَنَّةِ ، فَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا: رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ ، اطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّكَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَقَالَ: اذْهَبُوا وَادْخُلُوا الْجَنَّةَ ، فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ" (حسن)
وعَنْ حُذَيْفَةَ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ ، قَالَ: فَقَالَ:"هُمْ قَوْمٌ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وَسَيِّئَاتُهُمْ ، فَقَصُرَتْ بِهِمْ سَيِّئَاتُهُمْ عَنِ الْجَنَّةِ ، وَخَلَّفَتْ بِهِمْ حَسَنَاتُهُمْ عَنِ النَّارِ . قَالَ: فَوَقَفُوا هُنَالِكَ عَلَى السُّورِ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيهِمْ" (صحيح لغيره)
وعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ:"أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ: قَوْمٌ كَانَتْ لَهُمْ ذُنُوبٌ وَحَسَنَاتٌ ، فَقَصُرَتْ بِهِمْ ذُنُوبُهُمْ عَنِ الْجَنَّةِ وَتَجَاوَزَتْ بِهِمْ حَسَنَاتُهُمْ عَنِ النَّارِ ، فَهُمْ كَذَلِكَ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنَ خَلْقِهِ فَيَنْفُذُ فِيهِمْ أَمْرُهُ" (صحيح لغيره)
وعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ:"أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ قَوْمٌ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وَسَيِّئَاتُهُمْ ، فَيَقُولُ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِفَضْلِي وَمَغْفِرَتِي ، لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ" ( فيه ضعف)
وعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ:"أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ قَوْمٌ تَجَاوَزَتْ بِهِمْ حَسَنَاتُهُمُ النَّارَ ، وَقَصُرَتْ بِهِمْ سَيِّئَاتُهُمْ عَنِ الْجَنَّةِ" ( صحيح)
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ:"يُحَاسَبُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَمَنْ كَانَتْ حَسَنَاتُهُ أَكْثَرَ مِنْ سَيِّئَاتِهِ بِوَاحِدَةٍ دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَمَنْ كَانَتْ سَيِّئَاتُهُ أَكْثَرَ مِنْ حَسَنَاتِهِ بِوَاحِدَةٍ دَخَلَ النَّارَ . ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْمِيزَانَ يَخِفُّ بِمِثْقَالِ حَبَّةٍ وَيَرْجَحُ ، قَالَ: فَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ . فَوَقَفُوا عَلَى الصِّرَاطِ ، ثُمَّ عَرَفُوا أَهْلَ الْجَنَّةِ وَأَهْلَ النَّارِ ، فَإِذَا نَظَرُوا إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ نَادَوْا: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ وَإِذَا صَرَفُوا أَبْصَارَهُمْ إِلَى يَسَارِهِمْ نَظَرُوا أَصْحَابَ النَّارِ ، قَالُوا: رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ، فَيَتَعَوَّذُونَ بِاللَّهِ مِنْ مَنَازِلِهِمْ . قَالَ: فَأَمَّا أَصْحَابُ الْحَسَنَاتِ ، فَإِنَّهُمْ يُعْطَوْنَ نُورًا فَيَمْشُونَ بِهِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ ، وَيُعْطَى كُلُّ عَبْدٍ يَوْمَئِذٍ نُورًا وَكُلُّ أَمَةٍ نُورًا ، فَإِذَا أَتَوْا عَلَى الصِّرَاطِ سَلَبَ اللَّهُ نُورَ كُلِّ مُنَافِقٍ وَمُنَافِقَةٍ . فَلَمَّا رَأَى أَهْلُ الْجَنَّةِ مَا لَقِيَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا: رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا ، وَأَمَّا أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ ، فَإِنَّ النُّورَ كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ ، فَلَمْ يُنْزَعْ مِنْ أَيْدِيهِمْ ، فَهُنَالِكَ يَقُولُ اللَّهُ: لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ، فَكَانَ الطَّمَعُ دُخُولًا . قَالَ: فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً كُتِبَ لَهُ بِهَا عَشْرًا ، وَإِذَا عَمِلَ سَيِّئَةً لَمْ تُكْتَبْ إِلَّا وَاحِدَةً . ثُمَّ يَقُولُ: هَلَكَ مَنْ غَلَبَ وُحْدَانُهُ أَعْشَارَهُ" ( سنده واه)
وعَنْ حُذَيْفَةَ ، قَالَ:"أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ قَوْمٌ كَانَتْ لَهُمْ أَعْمَالٌ أَنْجَاهُمُ اللَّهُ بِهَا مِنَ النَّارِ ، وَهُمْ آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ ، قَدْ عَرَفُوا أَهْلَ الْجَنَّةِ وَأَهْلَ النَّارِ" (صحيح)
وقَالَ ابن عباس:"أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ: قَوْمٌ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وَسَيِّئَاتُهُمْ ، فَلَمْ تَزِدْ حَسَنَاتُهُمْ عَلَى سَيِّئَاتِهِمْ ، وَلَا سَيِّئَاتُهُمْ عَلَى حَسَنَاتِهِمْ" ( فيه انقطاع)
وعن ابن عباس قال:"الأعراف"، سور بين الجنة والنار، وأصحاب الأعراف بذلك المكان، حتى إذا بَدَا لله أن يعافيهم، انْطُلِق بهم إلى نهر يقال له:"الحياة"، حافتاه قَصَبُ الذهب، مكلَّل باللؤلؤ، ترابه المسك، فألقوا فيه حتى تصلح ألوانهم، ويبدو في نحورهم شامَةٌ بيضاء يعرفون بها، حتى إذا صلحت ألوانهم، أتى بهم الرحمنُ فقال: تمنوا ما شئتم ! قال: فيتمنون، حتى إذا انقطعت أمنيتهم قال لهم: لكم الذي تمنيتم ومثله سبعين مرة! فيدخلون الجنة وفي نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها، يسمَّون مساكين الجنة. ( صحيح)
وعن عبد الله بن الحارث قال: أصحاب الأعراف، يؤمر بهم إلى نهر يقال له:"الحياة"، ترابه الوَرْس والزعفران، وحافتاه قَصَبُ اللؤلؤ = قال: وأحسبه قال: مكلل باللؤلؤ = وقال: فيغتسلون فيه، فتبدو في نحورهم شامة بيضاء، فيقال لهم: تمنوا ! فيقال لهم: لكم ما تمنيتم وسبعون ضعفًا! وإنهم مساكين أهل الجنة (صحيح )
وعن عبد الله بن الحارث قال: أصحاب الأعراف، ينتهى بهم إلى نهر يقال له:"الحياة"، حافتاه قَصَب من ذهب = قال سفيان: أراه قال: مكلل باللؤلؤ = قال: فيغتسلون منه اغتسالةً فتبدو في نحورهم شامة بيضاء، ثم يعودون فيغتسلون، فيزدادون. فكلما اغتسلوا ازدادت بياضًا، فيقال لهم: تمنوا ما شئتم ! فيتمنون ما شاءوا، فيقال لهم: لكم ما تمنيتم وسبعون ضعفًا ! قال: فهم مساكين أهل الجنة. (حسن)
وعن حذيفة قال: أصحاب الأعراف، قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فهم على سور بين الجنة والنار: (لم يدخلوها وهم يطمعون) . (حسن)
وعن قتادة قال: كان ابن عباس يقول:"الأعراف"، بين الجنة والنار، حبس عليه أقوام بأعمالهم. وكان يقول: قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فلم تزد حسناتهم على سيئاتهم، ولا سيئاتهم على حسناتهم. ( فيه انقطاع)
وقال آخرون: كانوا قتلوا في سبيل الله عصاة لآبائهم في الدنيا.
ذكر من قال ذلك:
عن شرحبيل بن سعد قال: هم قوم خرجوا في الغزو بغير إذن آبائهم. (حسن)
وعَنْ رَجُل مِنْ بَنِي هِلَال أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - عَنْ أَصْحَاب الْأَعْرَاف , فَقَالَ:"هُمْ قَوْم غَزَوْا فِي سَبِيل اللَّه عُصَاة لِآبَائِهِمْ , فَقُتِلُوا , فَأَعْتَقَهُمْ اللَّه مِنْ النَّار بِقَتْلِهِمْ فِي سَبِيله , وَحُبِسُوا عَنْ الْجَنَّة بِمَعْصِيَةِ آبَائِهِمْ , فَهُمْ آخِر مَنْ يَدْخُل الْجَنَّة . ( فيه جهالة ) "
وعَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: سُئِلَ رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - عَنْ أَصْحَاب الْأَعْرَاف , فَقَالَ:"قَوْم قُتِلُوا فِي سَبِيل اللَّه بِمَعْصِيَةِ آبَائِهِمْ , فَمَنَعَهُمْ قَتْلهمْ فِي سَبِيل اللَّه عَنْ النَّار , وَمَنَعَتْهُمْ مَعْصِيَة آبَائِهِمْ أَنْ يَدْخُلُوا الْجَنَّة".
وقال آخرون: بل هم قوم صالحون فقهاء علماء.
* ذكر من قال ذلك:
عن مجاهد قال: أصحاب الأعراف، قوم صالحون فقهاء علماء. (حسن)
وقال آخرون: بل هم ملائكة وليسوا ببني آدم.
ذكر من قال ذلك:
وعن أبي مجلز قوله: (وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم) ، قال: هم رجال من الملائكة، يعرفون أهل الجنة وأهل النار، قال: (ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم) ، إلى قوله: (ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين) ، قال: فنادى أصحاب الأعراف رجالا في النار يعرفونهم بسيماهم: (ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون . أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة) ، قال: فهذا حين دخل أهل الجنة الجنة: (ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون) . ( صحيح مقطوع)
وعن أبي مجلز: (وعلى الأعراف رجال) ، قال: رجال من الملائكة، يعرفون الفريقين جميعًا بسيماهم، أهل النار وأهل الجنة، وهذا قبل أن يدخل أهل الجنة الجنة. ( صحيح مقطوع)
وعن أبي مجلز: (وعلى الأعراف رجال) ، قال: هم الملائكة. قلت: يا أبا مجلز، يقول الله تبارك وتعالى:"رجال"، وأنت تقول: ملائكة؟ قال: إنهم ذُكران ليسوا بإناث. ( صحيح مقطوع)
وعن أبي مجلز في قوله: (وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم) ، قال: الملائكة. قال قلت: يقول الله"رجال"؟ قال: الملائكة ذكور. ( صحيح مقطوع)
قال أبو جعفر: والصواب من القول في أصحاب الأعراف أن يقال كما قال الله جل ثناؤه فيهم: هم رجال يعرفون كُلا من أهل الجنة وأهل النار بسيماهم، ولا خبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصح سنده ،ولا أنه متفق على تأويلها، ولا إجماع من الأمة على أنهم ملائكة.
فإذ كان ذلك كذلك، وكان ذلك لا يدرك قياسًا، وكان المتعارف بين أهل لسان العرب أن"الرجال"اسم يجمع ذكور بني آدم دون إناثهم ودون سائر الخلق غيرهم، كان بيِّنًا أن ما قاله أبو مجلز من أنهم ملائكة، قولٌ لا معنى له، وأن الصحيح من القول في ذلك ما قاله سائر أهل التأويل غيره. هذا مع مَنْ قال بخلافه من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ومع ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك من الأخبار، وإن كان في أسانيدها ما فيها،
فعن أبي زرعة بن عمرو بن جرير قال، سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أصحاب الأعراف فقال:"هم آخر مَنْ يفصل بينهم من العباد، وإذا فرغ ربُّ العالمين من فصله بين العباد قال: أنتم قوم أخرجتكم حسناتكم من النار، ولم تدخلكم الجنة، وأنتم عُتَقائي، فارعوا من الجنة حيث شئتم. (صحيح مرسل) [2] "
وقيل: هم قوم كانت لهم صغائر لم تكفر عنهم بالآلام والمصائب في الدنيا وليست لهم كبائر فيحبسون عن الجنة لينالهم بذلك غَمٌّ فيقع في مقابلة صغائرهم . وتمنىَّ سالم مولى أبي حُذيفة أن يكون من أصحاب الأعراف؛ لأن مذهبه أنهم مذنبون . وقيل: هم أولاد الزنى؛ ذكره القُشَيريّ عن ابن عباس . وقيل: هم ملائكة موكَّلون بهذا السور ، يميِّزون الكافرين من المؤمنين قبل إدخالهم الجنة والنار؛ ذكره أبو مجلز . فقيل له: لا يقال للملائكة رجال؟ فقال: إنهم ذكور وليسوا بإناث ، فلا يبعد إيقاع لفظ الرجال عليهم ؛ كما أوقع على الجنّ في قوله: { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجن } [ الجن: 6 ] . فهؤلاء الملائكة يعرفون المؤمنين بعلاماتهم والكفار بعلاماتهم؛ فيبشِّرون المؤمنين قبل دخولهم الجنة وهم لم يدخلوها بعدُ فيطمعون فيها . وإذا رأوا أهل النار دَعَوْا لأنفسهم بالسلامة من العذاب . قال ابن عطية: واللازم من الآية أن على الأعراف رجالًا من أهل الجنة يتأخر دخولهم ويقع لهم ما وُصف من الاعتبار في الفريقين . و { يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ } أي بعلاماتهم ، وهي بياض الوجوه وحسنُها في أهل الجنة ، وسوادُها وقبحها في أهل النار ، إلى غير ذلك من معرفة حَيِّز هؤلاء وحيز هؤلاء .
قلت: فوقف عن التعيين لاضطراب الأثر والتفصيل ، والله بحقائق الأمور عليم [3] .
ـــــــــــــ
(1) - (14672-14684) وغالبها صحيح
(2) - تفسير الطبري - (ج 12 / ص 452-461)
(3) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 2122)