لَقَدْ خَسِرَ هَؤُلاَءِ الكُفَّارُ ، الذِينَ كَذَّبُوا بِالحَشْرِ ، وَلِقَاءِ اللهِ فِي الآخِرَةِ لِلْحِسَابِ ، كُلَّ مَا رَبِحَهُ المُؤْمِنُونَ ، وَفَازُوا بِهِ مِنْ ثَمَرَاتِ الإِيمَانِ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ ، وَيَسْتَمِرُّ هَؤُلاَءِ المُكَذِّبُونَ فِي ضَلاَلِهِمْ ، وَكُفْرِهِمْ ، وَبَاطِلِهِمْ حَتَّى تَأْتِيهِمُ السَّاعَةُ فَجْأَةً دُونَ سَابِقِ إِنْذَارٍ ، فَحِينَئِذٍ يُدْرِكُونَ أنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ . وَيَقُولُونَ: يَا حَسْرَتِنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيا فَكَذَبْنَا وَاسْتَكْبَرْنَا ، وَاسْتَسْلَمْنَا لِلْشَهَوَاتِ ، وَنَحْنُ نَظُنُّ أنَّهُ لاَ حَيَاةَ أُخْرَى ، وَلاَ بَعْثَ وَلاَ حِسَابَ وَيَأْتُونَ اللهَ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ العَصِيبِ وَهُمْ يَحْمِلُونَ ذُنُوبَهُمْ وَخَطَايَاهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ وَكَأنَّهَا الأَحْمَالُ الثَّقِيلَةُ ( أَوْزَارَهُمْ ) ، وَمَا أَسْوَأَ مَا يَحْمِلُونَ .
ولكنهم لا يجدون من النار مفرا ، قال تعالى: (وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا(53) [الكهف/53]
وَحِينَمَا يُعَاينُ المُجْرِمُونَ نَارَ جَهَنَّمَ تَتَلَظَّى يَتَحَقَّقُونَ مِنْ أَنَّهُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهَا لاَ مَحَالَةَ ( مُوَاقِعُوهَا ) ، وَأَنَّهُمْ لاَ مُصْرِفَ لَهُمْ وَلاَ مُحِيدَ عَنْهَا ، لأَنَّ اللهَ حَتَّمَ ذَلِكَ ، وَلأَنَّهَا أَحَاطَتْ بِهِمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ .
فتمتلئ نفوسهم بالخوف والهلع ، وهم يتوقعون في كل لحظة أن يقعوا فيها . وما أشق توقع العذاب وهو حاضر ، وقد أيقنوا أن لا نجاة منها ولا محيص.
الصورة السابعة:بعد ما تقدم يؤمرون بالدخول في النار وغضب الجبار أذلاء خاسرين، قال تعالى: (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ(27) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (29) [النحل/27-29] )
وَيُخْزِيهِمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى رُؤُوسِ الأَشْهَادِ وَالخَلاَئِقِ ، إِذْ يُظْهِرُ لِلنَّاسِ مَا كَانُوا يَسْتُرُونَ مِنَ المَكْرِ ، وَيَقُولُ لَهُمْ: أَيْنَ شُرَكَائِيَ الذِينَ كُنْتُمْ تُحَارِبُونَ ، وَتُعادُونَ النَّبِيَّ وَالمُؤْمِنِينَ فِي سَبِيلِهِمْ ( تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ) ؟ لِمَاذَا يَتَأَخَّرُونَ عَنْ نَصْرِكُمْ ، وَإِنْقَاذِكُمُ اليَوْمَ؟ فَإِذَا تَوَجَّهَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ ، وَقَامَتْ عَلَيْهِمْ الدَّلاَلاَتُ ، وَحَقَّتْ عَلَيْهِمُ الكَلِمَةُ ، وَسَكَتُوا عَنِ الاعْتِذَارِ ، قَالَ الذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ( وَهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالمُؤْمِنُونَ المُخْلِصُونَ ، وَهُمُ السَّادَةُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ) : إِنَّ الفَضِيحَةَ وَالعَذَابَ مُحِيطَانِ اليَوْمَ بِمَنْ كَفَرَ بِاللهِ ، وَأَشْرَكَ مَعَهُ فِي العِبَادَةِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَلاَ يَنْفَعُهُ .
يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ الكَافِرِينَ ، الذِينَ يَسْتَحِقُونَ العَذَابَ ، هُمُ الذِينَ اسْتَمَرُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ إِلَى أَنْ جَاءَتْهُمْ مَلاَئِكَةُ المَوْتِ لِقَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ هَؤُلاَءِ الظَّالِمِينَ أَنْفُسَهُمْ بِتَعْرِيضِهَا لِلْعَذَابِ المُخَلَّدِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ ، يَسْتَسْلِمُونَ حِينَئِذٍ ، وَيَنْقَادُونَ حِينَ يُعَايِنُونَ العَذَابَ قَائِلِينَ: مَا كُنَّا نُشْرِكُ بِرَبِّنَا أَحَدًا ، وَهُمْ كَاذِبُونَ فِي قَوْلِهِمْ هَذَا . وَيُكَذِّبُهُمْ تَعَالَى فِيمَا يَقُولُونَ وَيَقُولُ لَهُمْ: بَلْ كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَتُشْرِكُونَ وَتَرْتَكِبُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ ، فَلاَ فَائِدَةَ اليَوْمَ مِنَ الإِنْكَارِ ، وَاللهُ مُجَازِيكُمْ بِأَفْعَالِكُمْ .
وَيَأْمُرُهُمُ اللهُ بِدُخُولِ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ لِيَبْقَوْا فِيهَا ، وَلْيَذُوقُوا أَلْوَانًا مِنَ العَذَابِ ، جَزَاءً لَهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَارْتَكَبُوا مِنَ المَعَاصِي ، وَلَبِئْسَ جَهَنَّمَ مَقِيلًا وَمَقَامًا لِلذِينَ يَتَكَبَّرُونَ عَنِ اتِّبَاعِ الرُّسُلِ ، وَالاهْتِدَاءِ بِالآيَاتِ التِي أُنْزِلَتْ إِلَيْهِمْ .
ولا ينجو من النار من الجن والإنس إلا الأتقياء الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ، واتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم، قال تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا(68) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (69) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (70) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72) [مريم/68-72] )
يُقْسِمُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِذَاتِهِ الكَرِيمَةِ عَلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يَحْشُرَهُمْ جَمِيعًا ، وَشَيَاطِيْنَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ ، ثُمَّ يُحْضِرُهُمْ جَمِيعًا حَوْلَ جَهَنَّمَ قُعُودًا عَلَى رُكَبِهِمْ ، تَعْبِيرًا عَنِ الإِهَانَةِ وَالتَّحْقِيرِ لَهُمْ .
وَيُتَابِعُ تَعَالَى قَسَمَهُ بِنَفْسِهِ الكَرِيمَةِ فَيَقُولُ: إِنَّهُ سَيَنْزِعُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ ، وَمِنْ كُلِّ أَهْلِ دِينٍ ( شِيْعَةٍ ) قَادَتَهُمْ وَكُبَرَاءَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا أَشَدَّ جَمَاعَتِهِمْ تَكَبُّرًا ، وَعُتُوًّا عَلَى الَّذِي خَلَقَهُمْ ، وَغَمَرَهُمْ بِفَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ ، وَأَكْثَرَهُمْ تَجَاوُزًا لِلْحُدُودِ الَّتِي شَرَّعَهَا اللهُ ، ثُمَّ يَدْفَعُ بِهِمْ إَلَى أَشَدِّ العَذَابِ .
وَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يَسْتَحِقٌّ مِنْ عِبَادِهِ بِأَنْ يَصْلَى بِنَارِ جَهَنَّمَ ، وَيَخْلُدَ فِيهَا ، وَبِمَنْ يَسْتَحِقُّ مُضَاعَفَةَ العَذَابِ فَيُدْخِلُهُمْ أَوْلًا فِي نَارِ جَهَنَّمَ لِيَصْلَوْهَا ثُمَّ يُدْخِلُ الآخَرِينَ إِلَيْهَا بِحَسَبِ مَرَاتِبِهِمْ فِي العُتُوِّ وَالتَّكَبُّرِ .
وَمَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ إِلاَّ يَدْنُوا مِنْ نَارِ جََهَنَّمَ ، وَيَصِيرُ حَوْلَها ( أَوْ يَدْخُلُهَا فِعْلًا ) ، وَقَدْ قَضَى اللهُ رَبُّكَ بِذَلِكَ ، وَجَعَلَهُ أَمْرًا مَحْتُومًا ، مَفْرُوغًا مِنْهُ .
وَبَعْدَ أَنْ يَرِدَ النَّاسُ جَمِيعًا النَّارَ ، يَدْخُلُونَهَا أَوْ يَكُونُونَ حَوْلَها - يُنَجِّي اللهُ تَعَالَى بِمِنِّهِ وَفَضْلِهِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ ، وَيُخْرِجُهُمْ مِنْهَا ، وَيَتْرُكُ الظَّالِمِينَ جَاثِينَ فِيهَا عَلَى رُكَبِهِمْ .
ـــــــــــــ