فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 208

قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ(10) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (11) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (12) [غافر/10-12] )

وَحِينَمَا يُلْقَلى الكَافِرُونَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ، لِيَذوقُوا العَذَاب الأَلِيمَ ، يَمْقُتُونَ أَنْفُسَهَمْ ، وَيَكْرَهُونَهَا أَشَدَّ الكُرْهِ ، بِسَبَبِ مَا أَسْلَفُوا فِي الدُّنْيا مِنَ عَمِلٍ سَيِّئٍ أَوْصَلَهُمْ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ ، فَتُنَادِيِهم المَلاَئِكَةُ وَيَقُولُونَ لَهُمْ: إِنَّ مَقْتَ اللهِ تَعَالَى لَهُمْ فِي الدُّنْيَا ، حِينَ كَانَ الإِيْمَانُ يُعْرَضُ عَلَيْهِمْ فَيَكْفرُونَ ، كَانَ أَشَدَّ مِنْ مَقْتِهِمْ أَنْفُسَهُمْ وَهُمْ يَتَلَظُّوْنَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ .

فَيَقُولُ الكَافِرُونَ: رَبَّنَا خَلَقْتَنَا مِنْ عَدَمٍ وَلَمْ تَكُنْ لَنَا حَيَاةٌ ، وَأَمَتَّنَا حِينَ انْقَضَتْ آجَالُنَا ، وَأَحْيَيْتَنا أَوَلًا بِنَفْخِ الأَرْوَاحِ فِينَا وَنَحْنُ فِي الأَرْحَامِ ، وَأَحْيَيْتَنَا بِإِعَادَةِ أَرْوَاحِنَا إِلَى أَبْدَانِنَا يَوْمَ البَعْثِ ، والنُّشُورِ ، فَاْعْتَرَفْنَا بِأَنَّنَا كُنَّا أَنْكَرْنَا البَعْثَ فَكَفَرْنَا ، وَاجْتَرَحْنَا السَّيِّئَاتِ ، فَهَلْ مِنْ سَبِيلٍ إِلَى إِخْرَاجِنَا مِنَ النَّارِ ، وَإِعَادَتِنَا إِلَى الحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَعْمَلَ غَيَرَ الذِي كُنَّا نَعْمَلُ؟ فَأَنْتَ القَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ .

فَيُجَابُونَ عَلَى سَؤَالِهِمْ هَذَا أَنْ لاَ سَبِيلَ إِلَى الرَّجعَةِ إِلَى الدُّنْيَا ، وَلاَ إِلَى الخُرُوجِ مِنَ النَّارِ ، وَذَلِكَ لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ إِذَا ذَكِرَ اللهُ العَلِيُّ القَدِيرُ وَحْدَهُ كَفرْتُمْ وَأَنْكَرْتُمْ أَنْ تَكُونَ الألوهِيَّةُ خَالِصَةً للهِ وحدَهُ ، وَإِنْ أَشْرَكَ بِهِ مُشْرِكٌ صَدَّقْتُمُوهُ وَآمَنْتُمْ بِهِ . وَمَا ذَلِكَ إِلاَّ لِفَسَادِ طِبَاعِكُمْ ، وَرَفْضِهَا لِلْحَقِّ ، فَإِذَا عُدْتُمْ إِلَى الدُّنْيَا عُدْتُمْ إِلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيِهِ مِنْ فَسَادٍ وَكُفْرٍ وَإِفْسَادٍ فِي الأَرْضِ ، فَالحُكْمُ اليَوْمَ للهِ ، وَهُوَ لا يَحْكُمُ إِلاَ بِالحَقِّ ، وَهُوَ ذُو الكِبْرِيَاءِ والعَظَمَةِ ، وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ ، وَقَدِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ خُلُودَ الكَافِرِينَ فِي النَّارِ فَلاَ سَبِيلَ إِلَى الخُرُوجِ مِنْهَا .

كما يمقتون كل الذين كانوا لهم أنصارا وخلانا في الدنيا: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ(29) [فصلت/29] )

وَيَسْأَلُ الكَافِرُونَ اللهَ ، وَهُمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ، أَنْ يُرِيَهُمْ الذِينَ أَضَلُّوهُمْ مِنْ شَيَاطِينِ الأُنْسِ والجِنِ لِيَدُوسُوهُمْ بِأَقْدَامِهِمْ انْتِقَامًا مِنْهُمْ ، وَإِهَانَةً لَهُمْ ( أَوْ لِيَجعَلُوهُمْ فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ العَذَابِ لِيَكُونَ عَذَابُهُمْ أَشَدَّ ) .

وقال تعالى: ( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ(37) قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (38) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39) [الأعراف/37 39] )

لاَ أَحَدَ أَكْثَرُ ظُلْمًا مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الكَذِبَ بِأَنْ أَوْجَبَ عَلَى العِبَادِ شَيْئًا مِنَ العِبَادَاتِ لَمْ يُوجِبْهُ اللهُ ، أَوْ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللهُ ، أَوْ عَزا إلى دِينِهِ أَحْكَامًا لَمْ يُنْزِلها اللهُ عَلَى رُسُلِهِ .

وَلاَ أَحَدَ أَكْثَرُ ظُلْمًا مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللهِ ، بِالقَوْلِ أَوْ بِالاسْتِهْزَاءِ ، وَالاسْتِكْبَارِ عَنِ اتِّبَاعِهَا ، وَهَؤُلاَءِ المُفْتَرُونَ المُكَذِّبُونَ سَيَحْصَلُونَ عَلَى نَصِيبِهِمْ مِمَّا قَدَّرَهُ اللهُ لَهُمْ مِنَ الآجَالِ وَالأَرْزَاقِ ( نَصِيبُهُمْ مِنَ الكِتَابِ ) مَعْ ظُلْمِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ ، لاَ يُحْرَمُونَ شَيْئًا مِمَّا قَدَّرَهُ اللهُ لَهُمْ إلَى انْقِضَاءِ آجَالِهِمْ . فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ جَاءَتْ مَلائِكَةُ الرَّحْمنِ يَتَوَفَّوْنَهُمْ ، فَيَسْأَلُونَهُمْ: أَيْنَ الذِينَ كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ بِهِمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا ، وَتَدْعُونَهُم آلِهَةً ، وَتَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ؟ أُدْعُوهُم الآنَ لِيُخَلِّصُوكُمْ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذَابِ وَالنَّكَالِ؟ فَيُجِيبُهُمْ هَؤُلاَءِ المُجْرِمُونَ: لَقَدْ غَابُوا عَنَّا وَتَوارَوُا ( ضَلُّوا عَنَّا ) فَلاَ نَرْجُو مِنْهُم نَفْعًا وَلاَ ضَرًا . وَيُقِرُّونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِأَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ بِدَعوَتِهِم الشُّرَكَاءَ مَعَ اللهِ ، وَيَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ .

فَيُقَالُ لِهَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ المُفْتَرِينَ الكَذِبَ عَلَى اللهِ: ادْخُلُوا مَعَ جَمَاعَاتٍ وَأُمَمٍ مِنْ أَمْثَالِكُمْ ، وَعَلَى صِفَاتِكُمْ ، قَدْ سَبَقَتْكُمْ فِي الكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ مِنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ . وَكُلَّمَا دَخَلَتْ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ فِي النَّارِ ، لَعَنَتْ أُخْتَهَا فِي الدِّينِ وَالمِلَّةِ إِذْ هِيَ قَدْ ضَلَّتْ بِاتِّبَاعِهَا ، وَالاقْتِدَاءِ بِهَا فِي الكُفْرِ وَالضَّلاَلَةِ ، حَتَّى إذَا اجْتَمَعُوا فِي النَّارِ جَمِيعًا ( ادَّارَكُوا فِيهَا ) ، قَالَتْ آخِرُ كُلِّ أُمَّةٍ دَاخِلَةٍ إلَى النَّارِ ( وَهُمُ الأَتْبَاعُ وَالسِّفْلَةُ ) تَشْكُو أَهْلَ المَنْزِلَةِ وَالمَكَانَةِ مِنَ الكُبَرَاءِ المَتْبُوعِينَ ، مِمَّنْ تَقَدَّمُوهُمْ فِي الدُّخُولِ إلَى نَارِ جَهَنَّمَ:

إنَّ هَؤُلاَءِ هُمُ الذِينَ أَضَلُّونَا وَدَفَعُونَا إلَى الشِّرْكِ وَالضَّلاَلَةِ ، فَأَضْعِفْ لَهُم العَذَابَ يَا رَبِّ ، وَزِدْهُمْ فِيهِ.

وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلًا: لَقَدْ فَعَلْنَا ، وَجَعَلْنَا لِكُلٍّ مِنْهُمْ ضِعْفًا مِنَ العَذَابِ لإِضْلاَلهِ النَّاسَ ، فَوْقَ العَذَابِ الذِي يَسْتَحِقُّهُ عَلَى ضَلاَلِهِ ، وَلَكِنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ مَا يُلاَقُونَهُ مِنَ العَذَابِ .

وَيَرُدُّ المَتْبُوعُونَ عَلَى الأَتْبَاعِ قَائِلِينَ: لَقَدْ ضَلَلْتُمْ كَمَا ضَلَلْنَا نَحْنُ وَلِذَلِكَ فَلَيْسَ لأَحَدٍ فَضْلٌ عَلَى أَحَدٍ يَسْمَحُ بِأَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُ العَذَابُ ، فَذُوقُوا العَذَابَ الذِي تَسْتَحِقُّونَهُ ، عَلَى مَا اقْتَرَفْتُمُوهُ مِنَ الكُفْرِ وَالمَعَاصِي وَالأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ . ( أَوْ إنَّ هذِهِ العِبَارَة يَقُولُها اللهُ لَهُمْ مُوَبِّخًا وَمُقَرِّعًا ) .

ـــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت