يسأل الله عبده في يوم القيامة عن النعيم الذي خولهم إياه في الدنيا كما قال تعالى {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} (8) سورة التكاثر.
وَهَذَا النَّعِيمُ الذِي تَتَفَاخَرُونَ بِهِ ، وَتَعُدًُّونَهُ سَبَبًا مِنْ أَسْبَابِ التَّبَاهِي ، سَتُسْأَلُونَ عَنْهُ مَاذَا صَنَعْتُمْ بِهِ؟ وَهَلْ أَدَّيْتُمْ حَقَّ اللهِ فِيهِ؟ فَإِذَا كُنْتُمْ لَمْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ ، كَانَ هَذَا النَّعِيمُ لَكُمْ غَايَةَ الشَّقَاءِ فِي الآخِرَةِ .
قال القرطبي [1] :"واختلف أهل التأويل في النعيم المسؤول عنه على عشرة أقوال:"
أحدها: الأمن والصحة؛ قاله ابن مسعود .
الثاني: الصحة والفراغ؛ قاله سعيد بن جبير . وفي البخاريّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ، الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ » [2] .
الثالث: الإدراك بحواس السمع والبصر؛ قاله ابن عباس . وفي التنزيل: { إِنَّ السمع والبصر والفؤاد كُلُّ أولئك كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا } [ الإسراء: 36 ] . وفي الصحيح عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ وَعَنْ أَبِى سَعِيدٍ قَالاَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « يُؤْتَى بِالْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ أَلَمْ أَجْعَلْ لَكَ سَمْعًا وَبَصَرًا وَمَالًا وَوَلَدًا وَسَخَّرْتُ لَكَ الأَنْعَامَ وَالْحَرْثَ وَتَرَكْتُكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ فَكُنْتَ تَظُنُّ أَنَّكَ مُلاَقِىَّ يَوْمَكَ هَذَا قَالَ فَيَقُولُ لاَ. فَيَقُولُ لَهُ الْيَوْمَ أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِى » . قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ « الْيَوْمَ أَنْسَاكَ » . يَقُولُ الْيَوْمَ أَتْرُكُكَ فِى الْعَذَابِ [3] ..
الرابع: ملاذ المأكول والمشروب؛ قاله جابر ابن عبد الله الأنصاري . وحديث أبي هريرة يدل عليه .
الخامس: أنه الغداء والعشاء؛ قاله الحسن .
السادس: قول مكحول الشامي: أنه شِبعَ البطون ، وبارد الشراب ، وظلال المساكن ، واعتدال الخُلق ، ولذة النوم . ورواه زيد بن أسلم عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « { لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم } : يعني عن شبع البطون . . . » [4] فذكره . ذكره الماوردي ، وقال: وهذا السؤال يعمّ الكافر والمؤمن ، إلا أن سؤال المؤمن تبشير بأن يجمع له بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة . وسؤال الكافر تقريع أن قابل نعيم الدنيا بالكفر والمعصية . وقال قوم: هذا السؤال عن كل نعمة ، إنما يكون في حق الكفار ، فقد « رُوي أن أبا بكر لما نزلت هذه الآية قال: يا رسول الله ، أرأيتَ أكلةً أكلتُها معك في بيت أبي الهيثم بن التَّيْهان ، من خبز شعير ولحم وبُسْر قد ذَنَّب ، وماء عذب ، أَتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي نُسأل عنه؟ فقال عليه السلام: ذلك للكُفار ، ثم قرأ: { وَهَلْ نجزي إِلاَّ الكفور } [ سبأ: 17 ] » ذكره القشيريّ أبو نصر .
وقال الحسن: لا يُسأَل عن النعيم إلا أهل النار . وقال القشيري: والجمع بين الأخبار: أن الكل يُسْأَلون ، ولكن سؤال الكفار توبيخ ، لأنه قد ترك الشكر . وسؤال المؤمن سؤال تَشْريف ، لأنه شَكَر . وهذا النعيم في كل نعمة .
قلت: هذا القول حسن ، لأن اللفظ يعم . وقد ذكر الفِرْيابي قال: حدّثنا ورقاء عن ابن أبي نَجيح عَنْ مُجَاهِدٍ: لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ قَالَ:"عَنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ لَذَّةِ الدُّنْيَا" [5] .
وروى أبو الأحوص عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"إِنَّ اللَّهَ لَيَدْعُو الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيَعُدُّ عَلَيْهِ آلَاءَهُ وَنَعْمَاءَهُ ، فَيَقُولُ: دَعَوْتَنِي يَوْمَ كَذَا وَكَذَا ، وَسَأَلْتَنِي يَوْمَ كَذَا وَكَذَا , حَتَّى يَعُدَّ عَلَيْهِ فِيمَا يَعُدُّ عَلَيْهِ ، فَقُلْتَ: يَا رَبِّ , زَوِّجْنِي فُلَانَةَ بِاسْمِهَا , فَزَوَّجْتُكَهَا" [6]
وفي الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، عَنْ أَيِّ النَّعِيمِ نُسْأَلُ ؟ فَإِنَّمَا هُمَا الْأَسْوَدَانِ وَالْعَدُوُّ حَاضِرٌ ، وَسُيُوفُنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا ؟ قَالَ:""إِنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ" [7] "
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) قَالَ الزُّبَيْرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَىُّ النَّعِيمِ نُسْأَلُ عَنْهُ وَإِنَّمَا هُمَا الأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ. قَالَ « أَمَا إِنَّهُ سَيَكُونُ » . [8]
وعَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَرْزَمٍ الأَشْعَرِيِّ ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:""إِنَّ أَوَّلَ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ - يَعْنِي العَبْدَ مِنَ النَّعِيمِ - أَنْ يُقَالَ لَهُ: أَلَمْ نُصِحَّ لَكَ جِسْمَكَ ، وَنُرْوِيَكَ مِنَ المَاءِ البَارِدِ" [9] "
وفي رواية عنه أَوَّلُ مَا يُقَالُ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَلَمْ أُصَحِّحْ جِسْمَكَ ، وَأَرْوِيَكَ مِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ" [10] "
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَعَا اللَّهُ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ فَيُوقِفُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَيَسْأَلُهُ عَنْ جَاهِهِ كَمَا يَسْأَلُهُ عَنْ مَالِهِ". [11] .
وقال مالك رحمه الله: إنه صحة البدن ، وطيب النفس . وهو القول السابع . وقيل: النوم مع الأمن والعافية .
وقال سفيان بن عيينة: إن ما سَدَّ الجوع وستر العورة من خشن الطعام واللباس ، لا يُسأل عنه المرء يوم القيامة ، وإنما يُسأل عن النَّعيم . قال: والدليل عليه أن الله تعالى أسكن آدم الجنة . فقال له: { إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تعرى * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تضحى } [ طه: 118 119 ] . فكانت هذه الأشياء الأربعة ما يُسدّ به الجوع ، وما يُدفع به العطش ، وما يَسْتَكِنُّ فيه من الحر ، ويَسْتُر به عَورته لآدم عليه السلام بالإطلاق ، لا حساب عليه فيها ، لأنه لا بدّ له منها .
قلت: ونحو هذا ذكره القشيري أبو نصر ، قال: إن مما لا يسأل عنه العبد لباسًا يواري سوأته ، وطعامًا يقيم صُلْبه ، ومكانًا يُكِنه من الحرّ والبرد .
قلت: وهذا منتزع من قوله عليه السلام « لَيْسَ لاِبْنِ آدَمَ حَقٌّ فِى سِوَى هَذِهِ الْخِصَالِ بَيْتٌ يَسْكُنُهُ وَثَوْبٌ يُوَارِى عَوْرَتَهُ وَجِلْفُ الْخُبْزِ وَالْمَاءِ » . خرجه الترمذيّ [12] .
وَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ جِلْفُ الْخُبْزِ يَعْنِى لَيْسَ مَعَهُ إِدَامٌ.. وقال محمد بن كعب: النعيم: هو ما أنعم الله علينا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - . وفي التنزيل: { لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ } [ آل عمران: 164 ] . وقال الحسن أيضًا والمفضَّل: هو تخفيف الشرائع ، وتيسير القرآن ، قال الله تعالى: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ } [ الحج: 78 ] ، وقال تعالى: { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } [ القمر: 17 ] .
قلت: وكل هذه نِعم ، فيسأل العبد عنها: هل شكر ذلك أم كفر . والأقوال المتقدمة أظهر . والله أعلم اهـ
وقال الطبري:"عَنْ قَتَادَةَ:"لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ سَائِلٌ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ فِيمَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ"وَكَانَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ يَقُولَانِ:"ثَلَاثٌ لَا يُسْأَلُ عَنْهُنَّ ابْنُ آدَمَ ، وَمَا خَلَاهُنَّ فِيهِ الْمَسْأَلَةُ وَالْحِسَابُ ، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ: كِسْوَةٌ يُوَارِي بِهَا سَوْءَتَهُ ، وَكِسْرَةٌ يَشُدُّ بِهَا صُلْبَهُ ، وَبَيْتٌ يُظِلُّهُ"وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ: أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ سَائِلٌ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ عَنِ النَّعِيمِ ، وَلَمْ يُخَصِّصْ فِي خَبَرِهِ أَنَّهُ سَائِلُهُمْ عَنْ نَوْعٍ مِنَ النَّعِيمِ دُونَ نَوْعٍ ، بَلْ عَمَّ بِالْخَبَرِ فِي ذَلِكَ عَنِ الْجَمِيعِ ، فَهُوَ سَائِلُهُمْ كَمَا قَالَ عَنْ جَمِيعِ النَّعِيمِ ، لَا عَنْ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ [13] "
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَاتَ يَوْمٍ - أَوْ لَيْلَةٍ - فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، فَقَالَ:"مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ ؟"قَالَا: الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ، قَالَ:"وَأَنَا ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا ، قُومُوا"، فَقَامُوا مَعَهُ ، فَأَتَى رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ ، فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ ، قَالَتْ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"أَيْنَ فُلَانٌ ؟"قَالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ الْمَاءِ ، إِذْ جَاءَ الْأَنْصَارِيُّ ، فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَصَاحِبَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي ، قَالَ: فَانْطَلَقَ ، فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ ، فَقَالَ: كُلُوا مِنْ هَذِهِ ، وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"إِيَّاكَ ، وَالْحَلُوبَ"، فَذَبَحَ لَهُمْ ، فَأَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ وَشَرِبُوا ، فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوُوا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ" [14] "
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمًا، فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَقَالَ:"مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا؟"، قَالا: الْجُوعُ، قَالَ:"وَأَنَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَخْرَجَنِي إِلا الَّذِي أَخْرَجَكُمَا، قُومُوا"، فَقَامُوا مَعَهُ وَأَتَى رَجُلا مِنَ الأَنْصَارِ، فَإِذَا الأَنْصَارِيُّ لَيْسَ ثَمَّ، وَإِذَا هُوَ بِالْمَرْأَةِ، فَقَالَ لَهَا:"أَيْنَ فُلانٌ؟"، قَالَتِ: انْطَلَقَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ الْمَاءِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ الأَنْصَارِيُّ وَعَلَيْهِ قِرْبَةٌ مِنْ مَاءٍ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَصَاحِبَيْهِ، قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، مَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَكْرَمُ مِنْ أَضْيَافِنَا، قَالَ: فَعَلَّقَ الْقِرْبَةَ وَقَطَعَ لَهُمْ عَذْقًا فِيهِ بُسْرٌ وَرُطَبٌ وَتَمْرٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"لَوِ انْتَقَيْتَ؟"، قَالَ: تَخَيَّرُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى أَعْيُنِكُمْ، قَالَ: وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ"، فَذَبَحَ لَهُمْ فَأَكَلُوا، فَلَمَّا فَرَغُوا، قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَبْتُمْ مِنْ هَذَا النَّعِيمِ". [15]
يستعذب: يقال: استعذب القوم ماءهم: إذا استقوه عذبا، واستعذبه: عده عذبا ، ويستعذب لفلان من بئر كذا ، أي: يستقى له.- المدية: السكين.
الحلوب: الشاة التي هي معدة للحلب ، يقال: شاة حلوب ، وناقة حلوب ، بغير هنا.
نكب: نكب عن الشيء - مشددا ومخففا -: عدلت عنه ، تركته إلى غيره.
ذات الدر: ذات اللبن ، وهي الحلوب أيضا.
يزعبها: أي: يحملها ، ويقال: جاءنا سيل يزعب زعبا ، أى: يتدافع في الوادي.
حديقته: الحديقة: البستان المحوط عليه ، ويقال للجماعة من النخل: حديقة.
بقنو: القنو: العذق من الرطب.
العناق: الأنثى من ولد المعز. -البطانة: داخلة الرجل ، وأهل مشورته.
لا تألوه خبالا أى: لا تقصر في إفساد حاله ، والمشورة عليه بما يضره.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي سَاعَةٍ لاَ يَخْرُجُ فِيهِ وَلا يَلْقَاهُ فِيهَا أَحَدٌ ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ ؟ فَقَالَ: خَرَجْتُ لِلِقَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَالنَّظَرِ فِي وَجْهِهِ ، وَالسَّلامِ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقَالَ لَهُ: مَا جَاءَ بِكَ يَا عُمَرُ ؟ قَالَ: الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: وَأَنَا قَدْ وَجَدْتُ بَعْضَ ذَاكَ ، فَانْطَلِقُوا إِلَى مَنْزِلِ أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيْهَانِ الأَنْصَارِيِّ ، وَكَانَ رَجُلا كَثِيرَ النَّخْلِ وَالشَّاءِ ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ خَدَمٍ ، فَلَمْ يَجِدُوهُ ، فَقَالُوا لامْرَأَتِهِ: أَيْنَ صَاحِبُكِ ؟ فَقَالَتِ: انْطَلَقَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا الْمَاءَ ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ جَاءَ أَبُو الْهَيْثَمِ بِقِرْبَةٍ يَزْعَبُهَا ، فَوَضَعَهَا ، ثُمَّ جَاءَ فَالْتَزَمَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَيُفَدِّيهِ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ ، فَانْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى حَدِيقَةٍ ، فَبَسَطَ لَهُمْ بِسَاطًا ، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى نَخْلَةٍ ، فَجَاءَ بِقِنْوٍ ، فَوَضَعَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: أَفَلا انْتَقَيْتَ لَنَا مِنْ رَطْبَةٍ ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ تُخَيِّرُوا مِنْ بُسْرِهِ وَرُطَبِهِ ، فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: هَذَا وَاللَّهِ النَّعِيمُ الَّذِي أَنْتُمْ عَنْهُ مَسْئُولُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، ظِلٌّ بَارِدٌ ، وَرُطَبٌ طَيِّبٌ ، وَمَاءٌ بَارِدٌ [16]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فِي سَاعَةٍ لا يَخْرُجُ فِيهَا وَلا يَلْقَاهُ فِيهَا أَحَدٌ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ:"مَا أَخْرَجَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟"، قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَالنَّظَرِ فِي وَجْهِهِ وَالتَّسْلِيمِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ عُمَرُ، فَقَالَ:"مَا أَخْرَجَكَ يَا عُمَرُ؟"، قَالَ: الْجُوعُ، قَالَ:"وَأَنَا قَدْ وَجَدْتُ بَعْضَ الَّذِي تَجِدُ"، فَانْطَلِقُوا بنا إِلَى أَبِي الْهَيْثَمِ بن التَّيْهَانِ الأَنْصَارِيِّ، وَكَانَ رَجُلا كَثِيرَ الْخَيْلِ وَالْشِيَاهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ خَادِمٌ، فَأَتَوْهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ وَوَجَدُوا امْرَأَتَهُ، فَقَالَ:"أَيْنَ صَاحِبُكُمْ؟"، قَالَتِ: انْطَلَقَ غُدْوَةً ليَسْتَعْذِبَ مِنَ الْمَاءِ مِنْ قَنَاةِ بني فُلانٍ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ بِقِرْبَةٍ ثُمَّ وَضَعَهَا، ثُمَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، يَلْزَمُهُ وَيُفَدِّيهِ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَانْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى ظِلِّ حَدِيقَتِهِ فَبَسَطَ لَهُمْ بِسَاطًا، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى نَخْلَةٍ فَجَاءَ بِعِذْقٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"فَهَلا تَنَقَّيْتَ مِنْ رُطَبِهِ؟"، فَقَالَ: أَرَدْتُ أَنْ تُحِسُّونَ مِنْ رُطَبِهِ وَبُسْرِهِ، فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"هَذَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، هَذَا الظِّلُّ الْبَارِدُ وَالرُّطَبُ الْبَادِ عَلَيْهِ الْمَاءُ"، انْطَلِقْ فَضَعْ لَهُمْ طَعَامًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"لا تَذْبَحْ ذَاتَ دَرٍّ"، فَذَبَحَ لَهُمْ عَنَاقًا أَوْ جَدْيًا، ثُمَّ أَتَاهُمْ فَأَكَلُوا ). [17]
وعَنِ بن عَبَّاسٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عِنْدَ الظُّهْرِ فَوَجَدَ أَبَا بَكْرٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ لَهُ:"مَا أَخْرَجَكَ هَذِهِ السَّاعَةَ؟"، قَالَ: أَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَجَاءَ عُمَرُ بن الْخَطَّابِ، فَقَالَ:"يَا بن الْخَطَّابِ، مَا أَخْرَجَكَ؟"، قَالَ: أَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا، فَقَعَدَ عُمَرُ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُحَدِّثُهُمَا، ثُمَّ قَالَ:"فِيكُمَا مِنْ قُوَّةٍ تَنْطَلِقَانِ إِلَى هَذَا النَّخْلِ فَتُصِيبَانِ طَعَامًا وَشَرَابًا وَطِلاءً؟"، قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ:"مُرُّوا بنا إِلَى مَنْزِلِ أَبِي الْهَيْثَمِ بن التَّيْهَانِ الأَنْصَارِيِّ"، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، بَيْنَ أَيْدِينَا، فَسَلَّمَ، وَاسْتَأْذَنَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَأُمُّ الْهَيْثَمِ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ تَسْمَعُ سَلامَهُ تُرِيدُ أَنْ يَزِيدَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، مِنَ السَّلامِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ خَرَجَتْ أُمُّ الْهَيْثَمِ تَسْعَى خَلْفَهُمْ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ وَاللَّهِ سَمِعْتُ تَسْلِيمَكَ، وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ تَزِيدَنَا مِنْ سَلامِكَ، قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،"خَيْرًا"، ثُمَّ قَالَ:"أَيْنَ أَبُو الْهَيْثَمِ؟"، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ قَرِيبٌ، ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ الْمَاءِ، ادْخُلُوا، فَإِنَّهُ يَأْتِي السَّاعَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَبَسَطَتْ لَهُمْ بُسُطًا تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَجَاءَ أَبُو الْهَيْثَمِ، فَفَرِحَ بِهِمْ وَقَرَّتْ عَيْنَاهُ بِهِمْ، وَصَعِدَ عَلَى نَخْلَةٍ فَصَرَمَ لَهُمْ أَعْذَاقًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"احْتَسِبْ يَا أَبَا الْهَيْثَمِ"، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَأْكُلُونَ مِنْ بُسْرِهِ وَمِنْ رُطَبِهِ وَمِنْ تَذْنُوبِهِ، ثُمَّ أَتَاهُمْ بِمَاءٍ فَشَرِبُوا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"هَذَا مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ"، فَقَامَ أَبُو الْهَيْثَمِ لَيَذْبَحَ لَهُمْ شَاةً، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"إِيَّاكَ وَاللَّبُونَ"، وَقَامَتْ أُمُّ الْهَيْثَمِ تَعْجِنُ وَتَخْبِزُ لَهُمْ، وَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا رُءُوسَهُمْ لِلْقَائِلَةِ فَأُيْقُظُوا وَقَدْ أُدْرِكَ طَعَامُهُمْ، فَوُضِعَ الطَّعَامُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، فَأَكَلُوا وَشَبِعُوا وَرَدَّ عَلَيْهِمْ أَبُو الْهَيْثَمِ بَقِيَّةَ الأَعْذَاقِ، فَأَكَلُوا مِنْ رُطَبِهِ وَتَذْنُوبِهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَدَعَا لَهُمْ بِخَيْرٍ ). [18]
(1) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 6222)
(2) - صحيح البخارى (6412 )
(3) - سنن الترمذى (2615 ) صحيح
(4) - لم أجده بهذا اللفظ
(5) - حِلْيَةُ الْأَوْلِيَاءِ (4184 ) صحيح
(6) - الدُّعَاءُ لِمُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ الضَّبِّيِّ (147 ) حسن
(7) - سنن الترمذى (3682 ) حسن
(8) - سنن الترمذى (3681 ) قَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
(9) - سنن الترمذى (3683 ) صحيح لغيره
(10) - صَحِيحُ ابْنِ حِبَّانَ (7488 ) صحيح لغيره
(11) - مجمع الزوائد (18374 ) رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ ، وَفِيهِ يُوسُفُ بْنُ يُونُسَ: أَخُو أَبِي مُسْلِمٍ الْأَفْطَسِ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا .
(12) - سنن الترمذى (2512) صحيح -الإدام: ما يؤكل مع الخبز أى شىء كان - الجلف: الخبز اليابس الغليظ بلا أدم ولا لبن
(13) - جَامِعُ الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لِلطَّبَرِيِّ (35186 ) صحيح
(14) - صَحِيحُ مُسْلِمٍ ( 5434 )
(15) - المعجم الكبير للطبراني - (ج 14 / ص 157) (15914 ) صحيح
(16) - المستدرك للحاكم (7178) صحيح
(17) - المعجم الكبير للطبراني - (ج 14 / ص 155) (15912 ) صحيح
(18) - المعجم الكبير للطبراني - (ج 14 / ص 150) (15909 ) صحيح