فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 208

المبحث الثاني والعشرون

شراب أهل الجنة

قال تعالى: (إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا* عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) {الإنسان:5-6} .

إِنَّ الكرَامَ البَرَرَةَ الذِينَ أَطَاعُوا اللهَ ، يَشْرَبُونَ مِنْ خَمْرٍ كَانَ مَا يُمْزَجُ بِهَا مَاءَ الكَافُورِ .وَهَذَا المِزَاجُ مِنْ عَيْنٍ يَشْرَبُ بِهَ عِبَادُ اللهِ المُتَّقُونَ ، وَهُمْ فِي الجَنَّاتِ يَتَصَرَّفُونَ فِيهَا كَيْفَ شَاؤُوا ، وَيُجْرُونَها حَيْثُ أَرَادُوا مِنْ دُورِهِمْ وَمَنَازِلِهِمْ وَمَجَالِسِهِمْ .

وقال مقاتل:ليس هو كافور الدنيا,وإنما سمَّى الله ما عنده بما عندكم حتى تهتدي له القلوب.

وقوله (يفجرونها تفجيرا) أي:يشقونها شقًاكما يفجر الرجل النهر هاهنا وهاهنا إلى حيث يريد,وقال مجاهد:يقودونها حيث شاءوا,وتتبعهم حيثما مالوا مالت معهم [1] .

وقال تعالى: (وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا* عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا)

{الإنسان:17-18}

وَيُسْقَى هُؤَلاَءِ الأَبْرَارُ فِي الجَنَّةِ كَأْسًا مِنْ خَمْرِ الجَنَّةِ مُزِجَتْ بِالزَّنْجِبِيلِ ( فَهُمْ يُمْزَجُ الشَّرَابُ لَهُمْ مَرَّةً بِالكَافُورِ وَمَرَّةً بِالزَّنْجَبِيلِ فَالكَافُورُ بَارِدٌ وَالزَّنْجَبِيلُ حَارٌّ ) .

وَيُسْقَونَ فِي الجَنَّةِ مِنْ عَيْنٍ غَايَةٍ فِي السَّلاَسَةِ وَالاسْتِسَاغَةِ .

أي أن أهل الجنة يُسقَوْن كأسًا من خمر الجنة ممزوجة بالزنجبيل وكانت العرب تستلذ من الشراب ما يمزج بالزنجبيل لطيب رائحته .

وكلمة (سلسبيل) مأخوذة من السلاسة, والسلسبيل: هو الشراب اللذيذ [2] .

ونجد مما سبق أن الله تعالى أخبر أن شراب أهل الجنة يمزج بشيئين: الكافور

والزنجبيل,فيمزج بالكافور لأنه يمتاز بالبرد وطيب الرائحة, ثم بالزنجبيل لأنه يمتاز بالحرارة وطي

وقال تعالى: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ) {الإنسان:21}

، وَيَسْقِيِهِمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا يُطَهِّرُ بَاطِنَ شَارِبِهِ مِنَ الحَسَدِ ، وَالحِقْدِ ، وَالغِلِّ ، وَرَدِيءِ الأَخْلاَقِ ،فوصف الشراب بأنه طهور وليس بنجس كخمر الدنيا.ب الرائحة, مما يحدث بذلك أكمل اللذة وأطيبها [3] .

وعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ ، فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ فِيهَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، إِنَّ أَحَدَهُمُ لَيُعْطَى قُوَّةَ مِئَةِ رَجُلٍ فِي الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَالشَّهْوَةِ وَالْجِمَاعِ ، فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: فَإِنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ تَكُونُ لَهُ الْحَاجَةُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: حَاجَتُهُمْ عَرَقٌ يَفِيضُ مِنْ جُلُودِهِمْ مِثْلُ الْمِسْكِ ، فَإِذَا الْبَطْنُ قَدْ ضَمُرَ. [4]

وعَنْ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَيُؤْتَى بِالْكَأْسِ وَهُوَ جَالِسٌ مَعَ زَوْجَتِهِ ، فَيَشْرَبُهَا ، ثُمَّ يَلْتَفِتُ إِلَى زَوْجَتِهِ فَيَقُولُ: قَدَ ازْدَدْتِ فِي عَيْنِي سَبْعِينَ ضِعْفًا حُسْنًا. [5]

وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، قَالَ:"إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَيَشْتَهِي الشَّرَابَ مِنْ شَرَابِ الْجَنَّةِ فَيَجِيءُ الْإِبْرِيقُ فَيَقَعُ فِي يَدِهِ فَيَشْرَبُ ثُمَّ يَعُودُ إِلَى مَكَانِهِ" [6]

ـــــــــــــ

(1) - تفسير القرطبي (19/96)

(2) - نفس المصدر (19/107)

(3) - حادي الأرواح لابن القيم (175 )

(4) - صحيح ابن حبان - (ج 16 / ص 444) (7424) صحيح

(5) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 13 / ص 108) (35126) صحيح

(6) - صفة الجنة (128 ) حسن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت