الباب الثاني
البعث والنشور
الفصل الأول
كيفية البعث
المراد بالبعث المعاد الجسماني ، وإحياء العباد في يوم المعاد، والنشور مرادف للبعث في المعنى، يقال: نشر الميت نشورا إذا عاش بعد الموت ، وأنشره الله أي أحياه . وقد جاءت بعض الأحاديث مخبرة أنه يسبق النفخة الثانية في الصور نزول ماء من السماء فتنبت منه أجساد العباد ، ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (ثُمَّ يُنْفَخُ فِى الصُّورِ فَلاَ يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلاَّ أَصْغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا - قَالَ - وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبِلِهِ - قَالَ - فَيَصْعَقُ وَيَصْعَقُ النَّاسُ ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ - أَوْ قَالَ يُنْزِلُ اللَّهُ - مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ أَوِ الظِّلُّ - نُعْمَانُ الشَّاكُّ - فَتَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) [1]
وإنبات الأجساد من التراب بعد إنزال الله ذلك الماء الذي ينبتها يماثل إنبات النبات من الأرض إذا نزل عليها الماء من السماء في الدنيا، ولذا فإن الله سبحانه قد أكثر في كتابه من ضرب المثل للبعث والنشور بإحياء الأرض بالنبات كما قال تعالى {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (57) سورة الأعراف ، والإنسان يتكون في اليوم الآخر من عظم صغير عندما يصيبه الماء ينمو نمو البقل، هذا العظم الذي هو عجب الذنب ، وهو عظم الصلب المستدير الذي في أصل العجز ، وأصل الذنب. فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ » . قَالُوا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا قَالَ أَبَيْتُ. قَالُوا أَرْبَعُونَ شَهْرًا قَالَ أَبَيْتُ. قَالُوا أَرْبَعُونَ سَنَةً قَالَ أَبَيْتُ « ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ » . قَالَ « وَلَيْسَ مِنَ الإِنْسَانِ شَىْءٌ إِلاَّ يَبْلَى إِلاَّ عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » . رواه البخاري ومسلم [2] .
وفي رواية عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:كُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ الأَرْضُ إِلاَّ عَجْبَ الذَّنَبِ فَإِنَّهُ مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ. [3]
وقد دلت الأحاديث الصحيحة أن أجساد الأنبياء لا يصيبها البلى والفناء فعَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « إِنَّ أَفْضَلَ أَيَّامِكُمْ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ ، فَأَكْثِرُوا عَلَىَّ مِنَ الصَّلاَةِ فِيهِ ، فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَىَّ » . قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تُعْرَضُ صَلاَتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرَمْتَ؟ يَعْنِى بَلِيتَ. قَالَ: « إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ » [4] .
ـــــــــــــ
(1) - صحيح مسلم (7568 ) -الليت: صفحة العنق وهما لِيتان والمعنى أمال صفحة عنقه
(2) - صحيح البخارى (4935 ) وصحيح مسلم (7603 )
(3) - مسند أحمد (8283) صحيح
(4) - سنن الدارمى (1624) صحيح -أرمت: بليت