فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 208

القاعدة الثانية

لا يؤخذ أحد بجريرة غيره

قال تعالى: { وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (164) سورة الأنعام .

وَاللهُ تَعَالَى يُجَازِي كُلَّ نَفْسٍ يَوْمَ القِيَامَةِ ، عَلَى مَا فَعَلَتْهُ وَكَسَبَتْهُ فِي الدُّنْيا ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرًا ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرًّا ، وَلاَ يَحْمِلُ أَحَدٌ مِنْ خَطِيئَةِ أَحَدٍ شَيْئًا ، وَهَذَا مِنْ عَدْلِ اللهِ تَعَالَى . ثُمَّ تَرْجِعُونَ إلى اللهِ فَيُخْبِرُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِنْ أَمْرِ أَدْيَانِكُمْ المُخْتَلِفَةِ ، وَيَتَولَّى جَزَاءَكُم عَلَيهِ وَحْدَهُ .

فهذا هو العدل الذي لا عدل فوقه ، فالمهتدي يقطف ثمار هدايته ، والضال ضلاله على نفسه قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} (41) سورة الزمر

يَأْمُرُ اللهُ رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - بِأَنْ يُخْبِر النَّاسَ جَمِيعًا ، أَنَّ الذِي جَاءَهُمْ بِهِ هُوَ الحَقُّ الذِي لاَ مِرْيَةَ فِيهِ ، فَمَنْ اهْتَدَى وَاتَّبَعَهُ ، فَإِنَّمَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَمَنْ ضَلَّ عَنْهُ ، فَإِنَّمَا يَرْجِعُ وَبَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ . كَمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى بِأَنْ يَقُولَ لِلنَّاسِ: أِنَّهُ رَسُولُ اللهِ إِلَى الخَلْقِ كَافَّةً ، وَإِنَّهُ نَذِيرٌ لَهُمْ غَيْرُ مُوَكَّلٍ بِهِدَايَتِهِمْ ، وَلاَ بِمُسَيْطِرٍ عَلَيْهِمْ ، وَإِنَّمَا الهَادِي هُوَ اللهُ .

وقال تعالى: { مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) } [الإسراء/15 ]

مَنِ اسْتَقَامَ عَلَى طَرِيقِ الحَقِّ وَاتَّبَعَهُ ، وَاتَّبَعَ النُّورَ الذِي بُعِثَ بِهِ مُحَمَّدُ - صلى الله عليه وسلم - فِإِنَّهُ يَكُونُ قَدِ اهْتَدَى ، وَتَكُونُ عَاقِبَةُ هُدَاهُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَمَنْ ضَلَّ عَنِ الحَقِّ ، وَزَاغَ عَنْ سَبِيلِ الرَّشَادِ ، فَإِنَّمَا يَجْنِي عَلَى نَفْسِهِ ، وَيَعُودُ وَبَالُ سَعْيهِ عَلَيْهِ هُوَ ، وَلاَ يَحْمِلُ أَحَدٌ ذَنْبَ أَحَدٍ ، وَلاَ يَجْنِي جَانٍ إِلاَّ عَلَى نَفْسِهِ .

وَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ لاَ يُعَذِّبُ أَحَدًا إِلاَّ بَعْدَ قِيَامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ إِلَيْهِ ، يَدْعُونَهُ إِلَى الحَقِّ .

وهذه القاعدة العظيمة التي اتفقت الرسالات السماوية على تقريرها ، قال تعالى: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41) [النجم/36-41] )

{ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ } هذا المدعي { بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى } أي: قام بجميع ما ابتلاه الله به، وأمره به من الشرائع وأصول الدين وفروعه، وفي تلك الصحف أحكام كثيرة من أهمها ما ذكره الله بقوله: { أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إِلا مَا سَعَى } أي: كل عامل له عمله الحسن والسيئ، فليس له من عمل غيره وسعيهم شيء، ولا يتحمل أحد عن أحد ذنبا

{ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى } في الآخرة فيميز حسنه من سيئه، { ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأوْفَى } أي: المستكمل لجميع العمل الحسن الخالص بالحسنى، والسيئ الخالص بالسوأى، والمشوب بحسبه، جزاء تقر بعدله وإحسانه الخليقة كلها، وتحمد الله عليه، حتى إن أهل النار ليدخلون النار، وإن قلوبهم مملوءة من حمد ربهم، والإقرار له بكمال الحكمة ومقت أنفسهم، وأنهم الذين أوصلوا أنفسهم وأوردوها شر الموارد، وقد استدل بقوله تعالى: { وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إِلا مَا سَعَى } من يرى أن القرب لا يفيد (3) إهداؤها للأحياء ولا للأموات قالوا لأن الله قال: { وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ مَا سَعَى } فوصول سعي غيره إليه مناف لذلك، وفي هذا الاستدلال نظر، فإن الآية إنما تدل على أنه ليس للإنسان إلا ما سعى بنفسه، وهذا حق لا خلاف فيه، وليس فيها ما يدل على أنه لا ينتفع بسعي غيره، إذا أهداه ذلك الغير له، كما أنه ليس للإنسان من المال إلا ما هو في ملكه وتحت يده، ولا يلزم من ذلك، أن لا يملك ما وهبه له الغير من ماله الذي يملكه. [1]

وقد يعارض البعض هذا القول بقوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ(12) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (13) [العنكبوت/12-14] )

وَقَالَ كُفَّارُ قَريشٍ لِمَنْ آمنَ مِنْهُمْ ، واتَّبَعُوا الرَّسُولَ - صلى الله عليه وسلم -: ارجِعُوا إِلى دِيننكُمُ الأَوَّلِ ، وَعُودُوا فِيهِ ، وإِذا كَانَ هُنَاكَ بَعْثٌ وَحِسَابٌ فإِنَّهُمْ سَيَحْمِلُونَ عَنْهُمْ تَبِعَةَ آثامِهِمْ ، وهيَ في رِقَابِهِمْ ، وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالى عَلَيهِمْ مُكَذِّبًا: إِنَّهُ لا يَحْمِلُ أَحَدٌ ، فَكُلُّ امْرِئٍ بِمَا اكْتَسَبَ رَهِينٌ .

وَسَيَحْمِلُ الدُّعاةُ إٍِلى الكُفْرِ والضَّلاَلَةِ ، يَومَ القِيَامَةِ ، أَوْزَارَ أَنْفُسِهِمْ وَخَطَايَاهُمْ ، وَمِثلَ أَوْزَارِ مَنْ أَضَلُّوهُمْ مِنَ النَّاسِ ، وَصَرفُوهُمْ عَنِ الهُدَى مِنْ غيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِ أولئِكَ شَيْءٌ ، وَسَيُحَاسَبُ هؤلاءِ المُضِلُّونَ يومَ القِيَامَةِ عَلَى مَا يَخْتَلِقُونَهُ مِنَ البُهْتَانِ ، وَيُعَذِّبُونَ بِهِ .

وقوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ(24) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (25) [النحل/24، 25] )

وَإِذَا قِيلَ لِهَؤُلاَءِ المُكَذِّبِينَ المُسْتَكْبِرِينَ: مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ عَلَى مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - ؟ قَالُوا مُعْرِضِينَ عَنِ الجَوَابِ: لَمْ يُنْزِلْ شَيْئًا ، إِنَّمَا هَذا الذِي نَسْمَعُهُ هُوَ مِنْ أَسَاطِيرِ الأَوَّلِينَ ، مَأْخُوذٌ مِنْ كُتُبِهِمْ وَقَصَصِهِمْ .

وَلَقَدْ قَالُوا مَا قَالُوهُ عَنِ الرَّسُولِ وَعَنِ القُرْآنِ ، وَعَنْ رِسَالَةِ اللهِ ، لِتَكُونَ عَاقِبَتُهُمْ أَنْ يَتَحَمَّلُوا آثَامَهُمْ وَخَطَايَاهُمْ ، وَأَوْزَارَ كُفْرِهِمْ ، وَلِيَتَحَمَّلُوا مَعَهَا مِنْ خَطَايَا وَأَوْزَارِ الذِي يُضِلُّونَهُمْ ، وَيَحْمِلُونَهُمْ عَلَى اتِّبَاعِهِمْ ، { وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ القيامة حِمْلًا } .

وهذا موافق لما تقدم وليس بمعارض ، فالإنسان يتحمل إثم ما ارتكب من ذنوب ، وإثم الذين أضلهم بقوله وفعله ، كما أن دعاة الهدى ينالون أجر ما عملوه ومثل أجر من اهتدى بهديهم ، فإضلال هؤلاء لغيرهم هو فعل يعاقبون عليه.

قال القرطبي:" { وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ } يعني ما يحمل عليهم من سيئات من ظلموه بعد فراغ حسناتهم . روي معناه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وقد تقدّم في «آل عمران» . قال أبو أمامة الباهلي" «يؤتى بالرجل يوم القيامة وهو كثير الحسنات فلا يزال يقتص منه حتى تفنى حسناته ثم يطالب فيقول الله عز وجل اقتصوا من عبدي فتقول الملائكة ما بقيت له حسنات فيقول خذوا من سيئات المظلوم فاجعلوا عليه» ثم تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: { وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ } " [2] ."

وقال قتادة: من دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء . ونظيره قوله تعالى: { لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ } [ النحل: 25 ] . ونظير هذا قوله عليه السلام:"مَنْ سَنَّ فِى الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَىْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِى الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَىْءٌ."روي من حديث أبي هريرة وغيره [3] .

وقال الحسن قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"من دعا إلى هدى فاتُّبِع عليه وعمل به فله مثل أجور من اتَّبعه ولا يَنْقص ذلك من أجورهم شيئًا وأيما داعٍ دعا إلى ضلالة فاتبِع عليها وعمل بها بعده فعليه مثل أوزار من عمل بها ممن اتَّبعه لا يَنقْص ذلك من أوزارهم شيئًا"ثم قر الحسن: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ } (13) سورة العنكبوت .

قلت: هذا مرسل وهو معنى حديث أبي هريرة خرجه مسلم . ونص حديث عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ « أَيُّمَا دَاعٍ دَعَا إِلَى ضَلاَلَةٍ فَاتُّبِعَ فَإِنَّ لَهُ مِثْلَ أَوْزَارِ مَنِ اتَّبَعَهُ وَلاَ يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا وَأَيُّمَا دَاعٍ دَعَا إِلَى هُدًى فَاتُّبِعَ فَإِنَّ لَهُ مِثْلَ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ وَلاَ يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا » ."خرجه ابن ماجة في السنن . [4] "

وقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هَذَا الْخَبَرُ دَالٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَ اللهِ جَلَّ وَعَلاَ {لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام] أَرَادَ بِهِ بَعْضَ الأَوْزَارِ لاَ الْكَلَّ ، إِذْ أَخْبَرَ الْمُبَيِّنُ عَنْ مُرَادِ اللهِ جَلَّ وَعَلاَ فِي كِتَابِهِ أَنَّ مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً ، فَعَمِلَ بِهَا مَنْ بَعْدَهُ ، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ ، فَكَأَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلاَ قَالَ: لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى إِلاَّ مَا أَخْبَرَكُمْ رَسُولِي - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهَا تَزِرُ ، وَالْمُصْطَفَى - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ ، وَلاَ خَصَّ عُمُومَ الْخِطَابِ بِهَذَا الْقَوْلِ إِلاَّ مِنَ اللهِ ، شَهِدَ اللَّهُ لَهُ بِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم] - صلى الله عليه وسلم - ، وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُ جَلَّ وَعَلاَ: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال] فَهَذَا خَطَّابٌ عَلَى الْعُمُومِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى {لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام] ، ثُمَّ قَالَ - صلى الله عليه وسلم -: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ ، فَأَخْبَرَ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ السَّلَبَ لاَ يُخَمَّسُ وَأَنَّ الْقَلِيلَ يَكُونُ مُنْفَرِدًا بِهِ ، فَهَذَا تَخْصِيصُ بَيَانٍ لِذَلِكَ الْعُمُومِ الْمُطَلِّقِ. [5]

وقال الكلاباذي: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رِضَيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -:"لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا"فَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَنْ مَاتَ مِنْ سِنِينَ إِثْمُ مَنْ عَمِلَ بَعْدَهُ ، كَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يُطْرَحَ سَيِّئَاتُ مَنْ عَمِلَهَا عَلَى مَنْ لَمْ يَعْمَلْهَا ، فَابْنُ آدَمَ إِنَّمَا قَتَلَ نَفْسًا وَاحِدَةً وَيُطْرَحُ عَلَيْهِ آثَامُ كُلِّ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَذَلِكَ جَزَاءُ فِعْلِهِ ، كَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ عُقُوبَةَ ابْنِ آدَمَ فِي النَّارِ إِثْمَهَ وَآثَامَ الْقَاتِلِينَ ، لَا أَنْ يَكُونَ يُؤَاخَذُ بِذَنْبِ غَيْرِهِ ، وَيُعَاقَبُ عَلَى مَعْصِيَةٍ لَمْ يَعْمَلْهَا ، كَذَلِكَ الظَّالِمُ جَعَلَ اللَّهُ عُقُوبَتَهُ أَنْ يُعَاقَبَ بِآثَامِ مَنْ ظَلَمَهُ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ عُقُوبَةً لَهُ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ ، وَعَلَى مَا اكْتَسَبَهُ ، لَا أَنْ يَكُونَ مُؤَاخَذًا بِذَنْبِ غَيْرِهِ ، أَوْ مُعَاقَبًا بِمَا لَمْ يَجْنِهِ ، فَحَصَلَ آخِرُ الْأَمْرِ أَنْ يُجَازَى الْمَظْلُومُ عَلَى ظُلْمِهِ ثَوَابَ حَسَنَاتِ ظَالِمِهِ ، وَذَلِكَ جَزَاؤُهُ الَّذِي جَازَاهُ اللَّهُ بِهِ ، وَعِوَضُ مَا أُخِذَ مِنْهُ أَوْ جُنِيَ عَلَيْهِ ، وَثَوَابُ صَبْرِهِ عَلَى مَا أَصَابَهُ ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ، وَيُعَاقَبُ الظَّالِمُ بِذَهَابِ حَسَنَاتِهِ ، وَعُقُوبَةِ مَا جَنَى الْمَظْلُومُ ، وَذَلِكَ جَزَاءُ ظُلْمِهِ ، وَعُقُوبَةُ مَا جَنَتْهُ يَدُهُ وَلِسَانُهُ ، فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ ظُلْمٌ وَلَا جَوْرٌ ، وَلَا الْقَوْلُ بِالْإِحْبَاطِ كَمَا يَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ بِأَنَّ مَنْ أَتَى كَبِيرَةً وَمَاتَ عَلَيْهَا حَبِطَتْ حَسَنَاتُهُ الَّتِي اكْتَسَبَهَا مُدَّةَ عُمْرِهِ ، وَلَمْ يَنْفَعْهُ إِيمَانُهُ بِاللَّهِ فِي مُدَّةِ سَبْعِينَ سَنَةً ، وَلَا طَاعَتُهُ الَّتِي اكْتَسَبَهَا ، بَلْ هُوَ فِي النَّارِ خَالِدًا مُخَلَّدًا مَعَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ . وَأَمَّا الَّذِي قُلْنَاهُ فَإِنَّ هَذَا الظَّالِمَ لَمْ تَحْبَطْ أَعْمَالُهُ , بَلْ أُسْقِطَتْ حَسَنَاتُهُ عِنْدَ عُقُوبَاتٍ كَثِيرَةٍ ، أَلَا يَرَى أَنَّهُ اقْتَصَّ مِنْهُ فَوَفَّتْ حَسَنَاتُهُ بِجِنَايَاتِهِ ، أَوْ نَقَصَتْ جِنَايَاتُهُ وَزَادَتْ حَسَنَاتُهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَإِنَّ زَادَتْ جِنَايَاتُهُ فَإِنَّمَا يُعَاقَبُ فِي النَّارِ بِقَدْرِ مَا زَادَ مِنْ جِنَايَتِهِ فَيَكُونُ عُقُوبَتُهُ أَخَفَّ ، وَمُدَّةُ لَبْثِهِ فِي النَّارِ أَقَلَّ ، وَلَوْلَا حَسَنَاتُهُ لَطَالَ لَبْثُهُ فِي النَّارِ ، وَاشْتَدَّتْ عُقُوبَتُهُ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا" [6] "

ـــــــــــــ

(1) - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 821)

(2) - لم أجد هذا الحديث بهذا اللفظ

(3) - صحيح مسلم (2398 ) وصحيح ابن حبان - (ج 8 / ص 101) (3308)

قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هَذَا الْخَبَرُ دَالٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَ اللهِ جَلَّ وَعَلاَ {لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام] أَرَادَ بِهِ بَعْضَ الأَوْزَارِ لاَ الْكَلَّ ،

(4) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 4266)

(5) - صحيح ابن حبان - (ج 8 / ص 101) (3308)

(6) - بَحْرُ الْفَوَائِدِ الْمُسَمَّى بِمَعَانِي الْأَخْيَارِ لِلْكَلَابَاذِيِّ (348 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت