القاعدة الرابعة
مضاعفة الحسنات دون السيئات
ومن رحمته تعالى أن يضاعف أجر الأعمال الصالحة {إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ} (17) سورة التغابن.
مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ مَالٍ فِي طَاعَةِ اللهِ ، وَتَقَرُّبًا إِليهِ ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَعُدُّ ذَلِكَ الإِنْفَاقَ مُقَدَّمًا إِلَيه تَعَالَى ، وَهُوَ يُخْلفُهُ وَيَرُدُّهُ إِلَى المُنْفقِينَ - أَضْعَافًا كَثِيرَةً - الحَسَنَةُ بِعَشْرَةِ أَمْثَالِها إِلَى سَبْعِمِئَةِ ضِعْفٍ - وَيَمْحُو عَنْكُمْ بِها سَيِّئَاتِكُمْ ، وَيَسْتُرُهَا عَلَيْكُمْ ، وَاللهُ شكُورٌ يَجْزِي عَلَى القَلِيل بِالكَثِيرِ ، وَهُوَ كَثِيرُ الحِلْمِ وَالمَغْفِرَةِ ، يَغْفِرُ وَيَسْتُرُ ، وَلاَ يُعَاجِلُ بِالعُقُوبَةِ عِبَادَهُ عَلَى الذُّنُوبِ وَالأَخْطَاءِ لَعَلَّهُمْ يَتُوبُونَ وَيَرْجِعُونَ مُسْتَغْفِرْينَ .
وأقل ما تضاعف به الحسنة عشرة أضعاف قال تعالى: {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} (160) سورة الأنعام
مَنْ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ رَبَّهُ بِخَصْلَةٍ حَسَنَةٍ ، مِنْ خِصَالِ الطَّاعَاتِ ، جَزَاهُ اللهُ بِعَشْرَةِ أَمْثَالِهَا ، مِنْ عَطَاءِ اللهِ غَيْرِ المَحْدُودِ . وَمَنْ جَاءَ بِسَيِّئَةٍ ، فَلا يُجَازَى إلاَّ بِعُقُوبَةٍ سَيِّئَةٍ ، مِثْلِهَا ، وَاللهُ لاَ يَظْلِمُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ عَمَلًا عَمِلَهُ ، فَلاَ يَزِيدُ فِي ذَنْبِ المُسِيءِ ، وَلاَ يَبْخَسُهُ شَيْئًا مِنْ أَعْمَالِهِ الحَسَنَةِ .وهذا مقتضى عدله تبارك وتعالى
وقد تصل مضاعفة الحسنة إلى سبعمائة ضعف ، وأكثر من ذلك كما قال تعالى: { مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (261) سورة البقرة
يَحُثُّ اللهُ المُؤْمِنِينَ عَلَى إِنْفَاقِ أمْوالِهِمْ فِي سَبيلِ اللهِ ، وَابْتِغاءِ مَرْضَاتِهِ ( فِي الحَجِّ وفِي الجِهَادِ وَفِي الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ ) وَيَضْرِبُ لَهُمُ الزَّرْعَ مَثَلًا عَلَى تَنْمِيَتِهِ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، الأعْمَالَ الصَّالِحَةَ لأِصْحَابِها ، فَكَمَا يَنْمُو الزَّرْعُ لِمَنْ بَذَرَهُ ، كَذَلِكَ يَتَضَاعَفُ العَمَلُ الصَّالِحُ عَنْدَ اللهِ ، وَاللهُ يُضَاعِفُ الأجْرَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ، فَيَزِيدُهُ زِيَادَةً لا حَصْرَ لَهَا بِحَسَبِ إخْلاصِ العَبْدِ فِي عَمَلِهِ ، وَاللهُ وَاسِعُ الفَضْلِ لاَ يَنْحَصِرُ فَضْلُهُ ، وَلا يُحَدُّ عَطَاؤُهُ ، وَهُوَ عَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ هَذِهِ المُضَاعَفَةَ وَبِمَنْ لاَ يَسْتَحِقُّهَا .
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَعَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ وَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ » [1] .
وعَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا تَحَدَّثَ عَبْدِي بِأَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً مَا لَمْ يَعْمَلْ فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَإِذَا تَحَدَّثَ بِأَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَهُ مَا لَمْ يَعْمَلْهَا فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ بِمِثْلِهَا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ رَبِّ ذَاكَ عَبْدُكَ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً وَهُوَ أَبْصَرُ بِهِ فَقَالَ ارْقُبُوهُ فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِمِثْلِهَا وَإِنْ تَرَكَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِمِثْلِهَا حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ" [2] "
وعَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ ، أَنَّ أَبَا ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: حَدَّثَنَا الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ - صلى الله عليه وسلم - فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، أَنَّهُ قَالَ: الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ، أَوْ أَزِيدُ ، وَالسَّيِّئَةُ وَاحِدَةٌ ، أَوْ أَغْفِرُهَا ، وَلَوْ لَقِيتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا مَا لَمْ تُشْرِكٍ بِي ، لَقِيتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً" [3] "
ومن الأعمال التي أخبر عنه - صلى الله عليه وسلم - أنها تضاعف قراءة القرآن والذكر والإنفاق والجهاد والحج والصوم والصبر وغيرها كثير مما لم نحصره هنا ، وتتجلى رحمة الله وفضله على عباده أن المؤمن الذي يهمُّ بفعل الحسنة ثم لا يفعلها تكتب له حسنة تامة، والذي يهم بفعل السيئة ثم لا يفعلها مخافة لله تكتب له حسنة تامة . ومن واسع رحمته وفضله تبارك وتعالى أن يبدل السيئات حسنات كما قال تعالى { إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} (70) سورة الفرقان ،
إلا مَنْ تَابَ في الدُّنْيا ، وأخْلَصَ التوبةَ وهو مُؤْمنٌ ، وقدْ عَمِلَ الصالحاتِ ، ورجَعَ إلى رَبِّهِ مُسْتَغْفِرًا مُنِيبًا ، فإنَّ اللهَ تَعالى يتوبُ عليه ، ويُحْسِنُ عاقِبَتَهُ ، ( وفي ذلك دَلالةٌ على صِحَّةِ توبةِ القَاتل ) ، وهؤلاءِ هُمُ المُؤمنون ، كانُوا قبلَ إيْمَانِهِمْ يَعْمَلُونَ السَّيّئاتِ ، فَحَوَّلَهُمُ اللهُ تَعالى إلى الحَسَناتِ ، وأبْدَلَهُمْ مَكَانَ السَّيئاتِ الحَسَنَاتِ ، واللهُ غفورٌ لذُنُوبِ عِبادِه ، رَحيمٌ بِهمْ . فأي فضل بعد هذا الفضل؟
ـــــــــــــ
(1) - صحيح مسلم (354 )
(2) - صحيح مسلم (185 )
(3) - المستدرك للحاكم (7605) صحيح