الفصل الثاني عشر
الصراط
قال السفاريني:"الصراط في اللغة الطريق الواضح. ومنه قول جرير"
أمير المؤمنين على الصراط إذا اعوج الموارد مستقيم
وفي الشرع جسر ممدود على متن جهنم ، يرده الأولون والآخرون ، فهو قنطرة بين الجنة والنار""
وقد بين شارح الطحاوية معتقده في الصراط المذكور في الأحاديث فقال:"وقوله"وَالصِّرَاطُ"- أي وَنُؤْمِنُ بِالصِّرَاطِ ، وَهُوَ جِسْرٌ على جَهَنَّمَ ، إِذَا انتهى النَّاسُ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِمْ مَكَانَ الْمَوْقِفِ إلى الظُّلْمَة التي دُونَ الصِّرَاطِ ، كَمَا قَالَتْ عَائِشَة رضي الله عَنْهَا: « إِنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ: أَيْنَ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ؟ فَقَالَ:"هُمْ في الظُّلْمَة دُونَ الْجِسْرِ » . وفي هَذَا الْمَوْضِعِ يَفْتَرِقُ الْمُنَافِقُونَ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَيَتَخَلَّفُونَ عَنْهُمْ ، وَيَسْبِقُهُمُ الْمُؤْمِنُونَ ، وَيُحَالُ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهِمْ" [1] "
وقال السفاريني:"اتفقت الكلمة على إثبات الصراط في الجملة لكن أهل الحق يثبتونه على ظاهره ورد من كونه جسرًا ممدودًا على متن جهنم أحد من السيف وأدق من الشعرة وأحمى من الجمرة وأنكره المعتزلة كالقاضي عبد الجبار المعتزلي وكثير من أتباعه زعمًا منهم أنه لا يمكن عبوره وإن أمكن ففيه تعذيب ولا عذاب على المؤمنين والصلحاء يوم القيامة وإنما يراد به طريق الجنة المشار إليه بقوله تعالى: {سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} [ (5-6) سورة محمد] ، وطريق النار المشار إليه بقوله تعالى: {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} [ (23) سورة الصافات] ، ومنهم من حمله على الأدلة الواضحة والمباحات أو الأعمال الردية ليسأله عنها ويؤاخذ بها، وكل هذا هذيان وخرافات، وبهتان، لوجوب كل النصوص على حقائقها الظاهرة وليس العبور على الصراط أعجب من المشي على الماء أو الطيران في الهواء أو الوقوف فيه، وقد أجاب - صلى الله عليه وسلم - - عن سؤال حشر الكافرين على وجهه بأن القدرة صالحة لذلك وأنكر العلامة القرافي في كون الصراط أدق من الشعرة وأحد من السيف، وسبقه إلى ذلك شيخه الإمام العز بن عبد السلام وهما محجوجان يثبتون الأخبار الصحيحة بالألفاظ الصريحة في ذلك فوجب حملها على الظاهر كما ثبت ذلك في الصحاح والمسانيد والسنن مما لا يحصى إلا بكلفة من أنه جسر مضروب على جسر جهنم" [2]
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، قَالَ: فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَمْ تَرْضَوْا مِنْ رَبِّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَرَزَقَكُمْ وَصَوَّرَكُمْ ، أَنْ يُوَلِّيَ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ إِلَى مَنْ كَانَ يَتَوَلَّى فِي الدُّنْيَا ؟ قَالَ: وَيُمَثَّلُ لِمَنْ كَانَ يَعْبُدُ عُزَيْرًا شَيْطَانُ عُزَيْرٍ حَتَّى يُمَثِّلَ لَهُمُ الشَّجَرَةَ وَالْعَوْدَ وَالْحَجَرَ ، وَيَبْقَى أَهْلُ الإِسْلامِ جُثُومًا ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا لَكُمْ لاَ تَنْطَلِقُونَ كَمَا يَنْطَلِقُ النَّاسُ ؟ فَيَقُولُونَ: إِنَّ لَنَا رِبًّا مَا رَأَيْنَاهُ بَعْدُ ، قَالَ: فَيُقَالُ: فَبِمَ تَعْرِفُونَ رَبَّكُمْ إِنْ رَأَيْتُمُوهُ ؟ قَالُوا: بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ عَلامَةٌ ، إِنْ رَأَيْنَاهُ عَرَفْنَاهُ ، قِيلَ: وَمَا هِيَ ؟ قَالُوا: يَكْشِفُ عَنْ سَاقٍ ، قَالَ: فَيُكْشَفُ عِنْدَ ذَلِكَ عَنْ سَاقٍ ، قَالَ: فَيَخِرُّونَ مَنْ كَانَ لِظَهْرِهِ طَبَقًا سَاجِدًا ، وَيَبْقَى قَوْمٌ ظُهُورُهُمْ كَصَيَاصِيِّ الْبَقَرِ يُرِيدُونَ السُّجُودَ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ، ثُمَّ يُؤْمَرُونَ فَيَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ فَيُعْطَوْنَ نُورَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ ، قَالَ: فَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ مِثْلَ الْجَبَلِ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ فَوْقَ ذَلِكَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ مِثْلَ النَّخْلَةِ بِيَمِينِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى دُونَ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ ذَلِكَ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ عَلَى إِبْهَامِ قَدَمِهِ يُضِيءُ مَرَّةً ، وَيُطْفِئُ مَرَّةً ، فَإِذَا أَضَاءَ قَدَمُهُ ، وَإِذَا طُفِئَ قَامَ فَيَمُرُّ وَيَمُرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ ، وَالصِّرَاطُ كَحَدِّ السَّيْفِ دَحْضُ مَزِلَّةٍ ، فَيُقَالُ: انْجُوا عَلَى قَدْرِ نُورِكُمْ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَانْقِضَاضِ الْكَوْكَبِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالطَّرْفِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالرِّيحِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَشَدِّ الرَّجُلِ ، وَيَرْمُلُ رَمَلا ، فَيَمُرُّونَ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ حَتَّى يَمُرَّ الَّذِي نُورُهُ عَلَى إِبْهَامِ قَدَمِهِ ، قَالَ: يَجُرُّ يَدًا وَيُعَلِّقُ يَدًا وَيَجُرُّ رِجْلا وَيُعَلِّقُ رِجْلا وَتَضْرِبُ جَوَانِبَهُ النَّارُ ، قَالَ: فَيَخْلَصُوا ، فَإِذَا خَلَصُوا قَالُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنْكِ بَعْدَ الَّذِي أَرَانَاكِ لَقَدْ أَعْطَانَا اللَّهُ مَا لَمْ يُعْطِ أَحَدًا ..." [3] "
وعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ « هَلْ تُضَارُونَ فِى رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ إِذَا كَانَتْ صَحْوًا » وفيه: ثُمَّ يُؤْتَى بِالْجَسْرِ فَيُجْعَلُ بَيْنَ ظَهْرَىْ جَهَنَّمَ » . قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْجَسْرُ قَالَ « مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ ، عَلَيْهِ خَطَاطِيفُ وَكَلاَلِيبُ وَحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ ، لَهَا شَوْكَةٌ عُقَيْفَاءُ تَكُونُ بِنَجْدٍ يُقَالُ لَهَا السَّعْدَانُ ، الْمُؤْمِنُ عَلَيْهَا كَالطَّرْفِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ وَمَكْدُوسٌ فِى نَارِ جَهَنَّمَ ، حَتَّى يَمُرَّ آخِرُهُمْ يُسْحَبُ سَحْبًا ، فَمَا أَنْتُمْ بِأَشَدَّ لِى مُنَاشَدَةً فِى الْحَقِّ ، قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِ يَوْمَئِذٍ لِلْجَبَّارِ .... [4]
ـــــــــــــ
(1) - شرح الطحاوية في العقيدة السلفية - (ج 3 / ص 23)
(2) - لوامع الأنوار السنية للإمام محمد بن أحمد سالم السفاريني الحنبلي (1188هـ(21/215-218) مكتبة الرشد.
(3) - المستدرك للحاكم (3424) صحيح
(4) - صحيح البخارى (7439)