الذين يركنون إلى الدنيا ويطمئنون إليها ، ويكثرون من التمتع بنعيمها ، يضيق عليهم في يوم القيامة ، فقد أخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن الذي يكثر شبعه في الدنيا يطول جوعه يوم القيامة ، ففي سنن الترمذي عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ تَجَشَّأَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ « كُفَّ عَنَّا جُشَاءَكَ فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ شِبَعًا فِى الدُّنْيَا أَطْوَلُهُمْ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ » [1] .
كما أخبر أن أصحاب المال الكثير والمتاع الدنيوي الواسع يكونون أقل الناس أجرا في يوم القيامة ، ما لم يكونوا قد بذلوا أموالهم في سبل الخيرات ، فعَنْ أَبِى ذَرٍّ - رضى الله عنه - قَالَ خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِى فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَمْشِى وَحْدَهُ ، وَلَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ - قَالَ - فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِىَ مَعَهُ أَحَدٌ - قَالَ - فَجَعَلْتُ أَمْشِى فِى ظِلِّ الْقَمَرِ فَالْتَفَتَ فَرَآنِى فَقَالَ « مَنْ هَذَا » . قُلْتُ أَبُو ذَرٍّ جَعَلَنِى اللَّهُ فِدَاءَكَ . قَالَ « يَا أَبَا ذَرٍّ تَعَالَهْ » . قَالَ فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَالَ « إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، إِلاَّ مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا ، فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ ، وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا » [2] .
قال ابن بطال: هذا الحديث يدل على أن كثرة المال تئول بصاحبه إلى الإقلال من الحسنات يوم القيامة، إذا لم ينفقه في طاعة الله، فإن أنفقه في طاعة الله كان غنيًا من الحسنات يوم القيامة، وقد احتج بهذا الحديث من فضل الغنى على الفقر؛ لأنه استثنى فيه من المكثرين من نفح بالمال عن يمينه وشماله وبين يديه، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة. [3]
وعَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ - صلى الله عليه وسلم - « الأَكْثَرُونَ هُمُ الأَسْفَلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ مَنْ قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَكَسَبَهُ مِنْ طَيِّبٍ » [4] .
والذين أثقلوا أنفسهم بالنعيم الدنيوي والغنى والثراء لا يستطيعون أن يتجاوزا في يوم القيامة العقبات والأهوال، فعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ: قُلْتُ لأَبِي الدَّرْدَاءِ: أَلا تَبْتَغِي لأَضْيَافِكَ مَا يَبْتَغِي الرِّجَالُ لأَضْيَافِهِمْ ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، يَقُولُ: إِنَّ أَمَامَكُمْ عَقَبَةً كَؤُودٌ ، لاَ يَجُوزُهَا الْمُثْقِلُونَ ، فَأُحِبُّ أَنْ أَتَخَفَّفَ لِتِلْكَ الْعَقَبَةِ" [5] "
ـــــــــــــ
(1) - سنن الترمذى (2666 ) حسن لغيره -تجشأ: خرج من فمه ريح مع صوت من الشبع
(2) - صحيح البخارى (6443 ) ومسلم (2352 )
(3) - شرح ابن بطال - (ج 19 / ص 216)
(4) - سنن ابن ماجه (4269 ) صحيح
(5) - المستدرك للحاكم (8713) صحيح