قال تعالى: (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ(19) وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (20) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (21) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (23) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (25) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (26) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (27) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (28) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (29) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (30) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (31) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (32) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (33) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (34) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) [الصافات/19-35] )
وَسَيَكُونُ أمْرُ إِعَادَةِ بَعْثِكُمْ سَهْلًا يَسِيرًا عَلَى اللهِ إِذْ يَأْمُرُ اللهُ بِأَنْ يُنْفَخَ فِي الصُّوْرِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ فَيَقُومُ النَّاسُ مِنْ قُبُورِهِمْ أَحْيَاء يَنْظُرُونَ إِلَى مَا كَانُوا يُوعَدُونَ بِهِ مِنْ قِيَامِ السَّاعَةِ .
وَحِينَئذٍ يَرْجِعُ الكَافِرُونَ المُنْكِرُونَ لِلبَعْثِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالمَلاَمَةِ قَائِلِينَ: يَا خَسَارَنَا وَيَا هَلاَكَنَا ( يَا وَيْلَنَا ) هَذَا يَوْمُ الجَزَاءِ عَلَى الأَعْمَالِ ( يَوْمُ الدِّيِنِ ) الذي أَنْذَرَنَا بِهِ الرَّسُولُ ، فَكَذَّبْنَاهُ ، وَسَخِرْنَا مِنْهُ .
فَيُقَالُ لَهُمْ: ( تَقُولُهُ المَلاَئِكَةُ ، أَوْ يَقُولُهُ المُؤْمِنُونُ ، أَوْ يَقُولُهُ بَعْضُهُمْ لِبعْضٍ وَهُمْ يَتَنَاجَوْنَ ) : هَذَا كُلٌّ مِنْهُمَا عَنِ الآخَرِ ، وَلَقَدْ كُنْتُمْ تُكَذِّبُونِ بِهِ وأَنْتُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا .
وَيَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المَلاَئِكَةَ بِأَنْ يُمَيِّزُوا الكُفَّارَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي المَوْقِفِ ، وَبِأَنْ يَحْشُروا الظَّالِميِنَ مَعَ قُرَنَائِهِمْ وَأَشْبَاهِهِمْ ( أَزْوَاجِهِم ) .فَيُحْشَرُ أَصْحَابُ الزِّنى مَعَ أَصْحَابِ الزِّنى ، وَأَصْحَابٌ الرِّبَا مَعَ أَصْحَابِ الرِّبَا ، وَعَابِدُوا الأَوْثَانِ والأَصْنَامِ مَعَ الأَصْنَامِ التي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللهِ .
ثُمَّ يَأْمُرُ تَعَالَى المَلاَئِكَةَ الكِرَامَ قَائِلًا: أَرْشِدُوا هَؤُلاَءِ المُجْرِمِينَ الظَّالِمِينَ إِلَى طَرِيقِ جَهَنَّمَ ، وَدُلُّوهُمْ عَلَيْهَا .
واحْبِسُوهُمْ فِي المَوْقِفِ ( قِفُوهُمْ ) حَتَّى يُسْأَلُوا عَمَّا كَسَبَتْ أَيْدِيهِمْ ، وَعَمَّا اجْتَرَحُوهُ مِنَ الآثَامِ والمَعَاصِي .
ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ عَلَى سَبِيلِ التَّوْبيِخِ والتَّقْرِيعِ: مَا لَكُمْ لاَ يَنْصُرُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا اليوَمَ ، وَقَدْ كُنْتُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا تَتَنَاصَرُونَ؟
فَهُمُ اليَوْمَ لاَ يَنَازِعُونَ فِي الوُقُوفِ ، وَلاَ يَتَمَرِّدُون ، وَإِنَّمَا هُمْ مُنْقَادُونَ ذَلِيلُونَ مُسْتَسْلِمُونَ لأَمْرِ اللهِ تَعَالَى لاَ يُخَالِفُونَه ، وَلاَ يحيدُونَ عَنْهُ .
يَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى حَالَ الكُفَّارِ فِي ذَلِكَ المَوْقِفِ ، وَيُخْبِرُ أَنَّهُمْ يَتَلاَوَمُونَ فِي عَرَصَاتِ المَحْشَرِ ، وَيَتَخَاصَمُونَ فِي دَرَكَاتِ النَّارِ ، فَيُقولُ الضُّعَفَاءُ التَّابِعُونَ ، لِلرُؤَسَاءِ المُضِلِّينَ لَهُمْ: إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا ، وَأَنْتُمُ الذِينَ كُنْتُم تُوَسْوِسُونَ لَنَا لِنَكْفُرَ .
وَإِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَمْنَعُونَنَا عَنِ الإِيْمَانِ بِمَا جَاءَ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ، وَتَأْتُونَنَا مِنَ النَّاحِيَةِ التي كُنَّا نَظُنُّ فِيها الخَيْرَ واليُمْنَ ، وَتُرَغِّبُونَنَا فِيمَا كُنْتُمْ تَدِينُونَ بِهَ وَتَعْتَقِدُونَ ، وَمِنْ ثُمَّ أَوْرَدْتُمُونَا مَوَارِدَ الهَلاَكِ .
وَيَرُدُّ الرُّؤَسَاءُ المَتْبُوعُونَ عَلَى المُسْتَضْعَفِينَ مُنْكِرِينَ إضْلاَلَهُمْ إِيَّاهُمْ ، وَيَقُولُونَ لَهُمْ: لَيْسَ الأَمْرُ كَمَا تَزْعُمُونَ بَلْ كَانَتْ قُلُوبُكُمْ مُنْكِرَةً للإِيْمَانِ ، مُسْتَعِدَّةً لِلكُفْرِ والعِصِيَانِ .
وَنَحْنُ لَمْ يَكُنْ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ وَسِيلَةٍ نُكْرِهُكُمْ بِهَا عَلَى الكُفْرِ والغوَايَةِ ( أَو لَمْ يَكُنْ لَنَا سَبَبٌ نَسْتَطِيعُ بِهِ أَنْ نُؤكِّدَ لَكُمْ أَنَّنَا كُنَّا عَلَى صَوَابٍ فِيمَا دَعَوْنَاكُم إِلَيْهِ ) ، وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُم أَنْتُمْ قَوْمًا تَمِيلُونَ إِلَى الطُّغْيَانِ وَمُجَاوَزَةِ الحَقِ ، اسْتَجَبْتُم لِدَعْوَتِنَا ، وَتَرَكْتُم الحَقَّ الذِي جَاءَكُمْ بِهِ رُسُلُ رَبِّكُمْ .
وَيَقُولُ الكُبَرَاءُ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ: إِنَّهُمْ بِسَبَبِ اسْتِعْدَادِ نُفُوسِهِمْ لِلكُفْْرِ والطُّغْيَانِ ، وَتَجَاوُزِ الحَقِّ ، وَالإِعْرَاضِ عَنِ الهُدَى ، حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللهِ أَنَّهُمْ مِنَ الأَشْقِيَاءِ الذَّائِقِينَ للعَذَابِ يَوْمَ القِيَامَةِ .
وَإِنَّهُمْ دَعَوا المُسْتَضْعَفِينَ إِلَى مَا كَانُوا هُمْ فِيهِ مِنَ الغوَايَةِ وَالضَلاَلِ ، فَاسْتَجَابَ المُسْتَضْعَفُونَ لَهُمْ ، فَأَصْبَحُوا جَمِيعًا مِنَ الضَّالينَ الغَاوِينَ ، فَلاَ لَوْمَ عَلَيْهِمْ فِيمَا كَانَ مِنْهُمْ .
وَكَمَا اشْتَرَكَ الفَرِيقَانِ - الكُبَرَاءُ والمُسْتَضْعَفُونَ - فِي الضَّلاَلَةِ كَذَلِكَ يَشْتَرِكُونَ فِي العَذَابِ فِي نَارِ جهَنَّمَ ، كُلٌّ مِنْهُمْ بِحَسَبِ عَمَلِهِ ، وَمَرْتَبَتِهِ فِي الضَّلاَلَةِ والغوَايَةِ .وَمِثْلُ هَذَا الجَزَاءِ العَظِيمِ يُوقِعُهُ اللهُ تَعَالَى بِالمُشْرِكِينَ وَفْقًا لِمَا تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ ، وَيُوجِبُهُ عَدْلُهُ بَينَ العِبَادِ .
وَكَانُوا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا إِذَا دُعُوا إِلَى الإِيْمَانِ باللهِ وَحْدَهُ ، وَلُقِّنُوا كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ ، نَفَرُوا مِنْهَا ، وَأَعْرَضُوا عَنْ قَبُولِهَا مُسْتَكْبِرِينَ .
ـــــــــــــ