فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 208

وردت أحاديث ظاهرها أنهم في النار ،فعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ أَبِى قَالَ « فِى النَّارِ » . فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ فَقَالَ « إِنَّ أَبِى وَأَبَاكَ فِى النَّارِ » [1] .قفى: ذهب موليا

قال النووي: فِيهِ: أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْر فَهُوَ فِي النَّار ، وَلَا تَنْفَعهُ قَرَابَة الْمُقَرَّبِينَ ، وَفِيهِ أَنَّ مَنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَة عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْعَرَب مِنْ عِبَادَة الْأَوْثَان فَهُوَ مِنْ أَهْل النَّار ، وَلَيْسَ هَذَا مُؤَاخَذَة قَبْل بُلُوغ الدَّعْوَة ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ كَانَتْ قَدْ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَة إِبْرَاهِيم وَغَيْره مِنَ الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه تَعَالَى وَسَلَامه عَلَيْهِمْ . وَقَوْله - صلى الله عليه وسلم -: ( إِنَّ أَبِي وَأَبَاك فِي النَّار ) هُوَ مِنْ حُسْن الْعِشْرَة لِلتَّسْلِيَةِ بِالِاشْتِرَاكِ فِي الْمُصِيبَة [2]

وعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ أَبِى قَالَ « أَبُوكَ فِى النَّارِ » . فَلَمَّا قَفَّى قَالَ « إِنَّ أَبِى وَأَبَاكَ فِى النَّارِ » . [3]

وَعَنْ سَعْدٍ - يَعْنِي ابْنَ أَبِي وَقَّاصٍ -: أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ أَبِي ؟ قَالَ:"فِي النَّارِ"قَالَ: فَأَيْنَ أَبُوكَ ؟ قَالَ:"حَيْثُمَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ كَافِرٍ ، فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ فَأَسْلَمَ الْأَعْرَابِيُّ ، فَقَالَ: لَقَدْ كَلَّفَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِعَنَاءٍ ، مَا مَرَرْتُ بِقَبْرِ كَافِرٍ إِلَّا بَشَّرْتُهُ بِالنَّارِ" [4] .

وعَنْ عَلْقَمَةَ ، قَالَ: جَاءَ ابْنَا مُلَيْكَةَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَا: إِنَّ أُمَّنَا مَاتَتْ حِينَ رَعَدَ الْإِسْلَامُ وَبَرَقَ ، فَهَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ نُصَلِّيَ لَهَا مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ صَلَاةً ، وَمَعَ كُلِّ صَوْمٍ صَوْمًا ، وَمَعَ كُلِّ صَدَقَةٍ صَدَقَةً ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"الْوَائِدَةُ وَالْمَوْءُودَةُ فِي النَّارِ"قَالَ: فَلَمَّا وَلَّيَا قَالَ:"سَاءَكُمَا أَوْ شَقَّ عَلَيْكُمَا ، أُمِّي مَعَ أُمِّكُمَا فِي النَّارِ" [5]

وهذا الحديث منسوخ على الأرجح بآيات وأحاديث أخر، لأنهم من أهل الفترة قال تعالى: ( مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا(15) [الإسراء/15، 16] )الإسراء

من اهتدى فاتبع طريق الحق فإنما يعود ثواب ذلك عليه وحده، ومن حاد واتبع طريق الباطل فإنما يعود عقاب ذلك عليه وحده، ولا تحمل نفس مذنبة إثم نفس مذنبة أخرى. ولا يعذب الله أحدًا إلا بعد إقامة الحجة عليه بإرسال الرسل وإنزال الكتب. [6] .

وفي المقاصد الحسنة حديث (37) : إحياء أبوي النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى آمنا به، أورده السهيلي عن عائشة، وكذا الخطيب في السابق واللاحق، وقال السهيلي: إن في إسناده مجاهيل، وقال ابن كثير: إنه حديث منكر جدًا، وإن كان ممكنًا بالنظر إلى قدرة اللَّه تعالى، لكن الذي ثبت في الصحيح يعارضه، وفي الوسيط للواحدي عند قوله تعالى {ولا تسأل عن أصحاب الجحيم} . قال: قرأ نافع تسأل بفتح المثناة الفوقانية، وجزم اللام على النهي للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وذلك أنه سأل جبريل عن قبر أبيه وأمه، فدله عليهما، فذهب إلى القبرين، ودعا لهما، وتمنى أن يعرف حال أبويه في الآخرة، فنزلت. وما أحسن قول حافظ الشام ابن ناصر الدين:

حبا اللَّه النبي مزيد فضل على فضل وكان به رؤوفا

فأحيا أمه وكذا أباه لإيمان به فضلا لطيفا

فسلم فالقديم بذا قدير وإن كان الحديث به ضعيفا

وقد كتبت فيه جزءًا، والذي أراه الكف عن التعرض لهذا اثباتًا ونفيًا اهـ [7]

قلت: فهذه مسألة دقيقة وقد خاض فيها الناس قديمًا،وحديثًا ، ومما خلاف فيه أن أبوي المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لم يدركا الإسلام ولم يثبت عنهما أنهما كانا من الذين يرتكبون كبائر الذنوب، فهما من أهل الفترة بيقين ، وأهل الفترة فيهما مذاهب كثيرة ذكرها الإمام ابن القيم وغيره كما مر ، والصواب فيها الكف عن هذا الموضوع سلبًا أو إيجابًا ، فليس الحساب موكولًا إلى اجتهادنا ، بل هو لله وحده دون سواه قال تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} (23) سورة الأنبياء.

وكلا الفريقين قد استدل بما لا حجة فيه ، واتهم الفريق الآخر . [8] ..

وخلاصة الأمر كما قال الشنقيطي رحمه الله: الظاهر أن التحقيق في هذه المسألة: هل يعذر المشركون بالفترة أو لا؟

هو أنهم معذورون بالفترة في الدنيا، وأن الله يوم القيامة يمتحنهم بنار يأمرهم باقتحامها، فمن اقتحمها دخل الجنة وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا لأن الله يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل، وإنما قلنا إن هذا هو التحقيق في هذه المسألة لأمرين:

الأول: أن هذا ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وثبوته عنه نص في محل النزاع، فلا وجه للنزاع معه البتة.

الثاني: أن الجمع بين الأدلة واجب متى ما أمكن بلا خلاف لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما.

ـــــــــــــ

(1) - صحيح مسلم (521 )

(2) - شرح النووي على مسلم - (ج 1 / ص 349)

(3) - سنن أبى داود (4720 ) صحيح

(4) - التوحيد لله عزوجل ( 70 ) و مجمع الزوائد (461 ) وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ . (صحيح)

(5) - الْإِبَانَةُ الْكُبْرَى لِابْنِ بَطَّةَ (1469) صحيح

(6) - التفسير الميسر - (ج 5 / ص 9)

(7) - وقارنه بكلام صاحب كشف الخفاء ومزيل الإلباس ( 150 ) =أحيا أبوي النبي صلى الله عليه وسلم حتى آمنا به) لترى الفرق الكبير .

(8) - انظر: فتاوى الأزهر - (ج 7 / ص 316) أهل الفترة وفتاوى الأزهر - (ج 8 / ص 237) والدا الرسول وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - (ج 5 / ص 306) مصير أهل الفترة وفتاوى الإسلام سؤال وجواب - (ج 1 / ص 4308) سؤال رقم 43045- هل أسلم والدا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وفتاوى واستشارات الإسلام اليوم - (ج 4 / ص 269) من مات قبل أن تبلغه الدعوة وفتاوى واستشارات الإسلام اليوم - (ج 13 / ص 502) المقصود بأهل الفترة وفتاوى واستشارات الإسلام اليوم - (ج 16 / ص 277) أهل الفترة و فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 2 / ص 18) رقم الفتوى 1041 مصير أبوي النبي صلى الله عليه وسلم. وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 3 / ص 251) رقم الفتوى 10467 مصير والد النبي صلى الله عليه وسلم وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 7 / ص 1730) رقم الفتوى 49293 أهل الفترة وأبوي النبي صلى الله عليه وسلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت