اختلف العلماء في الكفار: هل يحاسبون ويسألون ؟ أم يأمر بهم إلى النار من غير سؤال ؟ لأن أعمالهم باطلة حابطة فلا فائدة من السؤال والحساب ؟ وإذا كانوا يحاسبون فما فائدة حسابهم وسؤالهم؟
قال شيخ الإسلام بن تيمية:"هَذِهِ"الْمَسْأَلَةُ"تَنَازَعَ فِيهَا الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ، فَمِمَّنْ قَالَ إنَّهُمْ لَا يُحَاسَبُونَ: أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَأَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُمْ، وَمِمَّنْ قَالَ: إنَّهُمْ يُحَاسَبُونَ: أَبُو حَفْصٍ الْبَرْمَكِيُّ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَأَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ وَأَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ . وَ فَصْلُ الْخِطَابِ أَنَّ الْحِسَابَ يُرَادُ بِهِ عَرْضُ أَعْمَالِهِمْ عَلَيْهِمْ وَتَوْبِيخُهُمْ عَلَيْهَا ،وَيُرَادُ بِالْحِسَابِ مُوَازَنَةُ الْحَسَنَاتِ بِالسَّيِّئَاتِ . فَإِنْ أُرِيدَ بِالْحِسَابِ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ فَلَا رَيْبَ أَنَّهُمْ يُحَاسَبُونَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ . وَإِنْ أُرِيدَ الْمَعْنَى الثَّانِي فَإِنْ قُصِدَ بِذَلِكَ أَنَّ الْكُفَّارَ تَبْقَى لَهُمْ حَسَنَاتٌ يَسْتَحِقُّونَ بِهَا الْجَنَّةَ فَهَذَا خَطَأٌ ظَاهِرٌ . وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُمْ يَتَفَاوَتُونَ فِي الْعِقَابِ ؛ فَعِقَابُ مَنْ كَثُرَتْ سَيِّئَاتُهُ أَعْظَمُ مِنْ عِقَابِ مَنْ قَلَّتْ سَيِّئَاتُهُ وَمَنْ كَانَ لَهُ حَسَنَاتٌ خُفِّفَ عَنْهُ الْعَذَابُ كَمَا أَنَّ أَبَا طَالِبٍ أَخَفُّ عَذَابًا مِنْ أَبِي لَهَبٍ . وَقَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ} (88) سورة النحل، وَقَالَ تَعَالَى {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ..} (37) سورة التوبة، وَالنَّارُ دَرَكَاتٌ فَإِذَا كَانَ بَعْضُ الْكُفَّارِ عَذَابُهُ أَشَدُّ عَذَابًا مِنْ بَعْضٍ - لِكَثْرَةِ سَيِّئَاتِهِ وَقِلَّةِ حَسَنَاتِهِ - كَانَ الْحِسَابُ لِبَيَانِ مَرَاتِبِ الْعَذَابِ لَا لِأَجْلِ دُخُولِهِمْ الْجَنَّةَ" [1] .
أمَّا لماذا يحاسبون وتوزن أعمالهم مع أن أعمالهم حابطة مردودة فلأمور منها:
الأول: إقامة الحجة عليهم ، وإظهار عدل الله فيهم ، ولا أحد أحب إليه العذر من الله وهو صاحب العدل المطلق، قال تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} (49) سورة الكهف
الثاني: أن الله يحاسبهم لتوبيخهم وتقريعهم، قال تعالى: { وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُواْ بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } (30) سورة الأنعام
الثالث: أن الكفار مكلفون بأصول الشريعة كما هم مكلفون بفروعها فيسالون عما قصروا فيه وخالفوا فيه الحق. واستشهد القرطبي على أنهم مخاطبون بفروع الشريعة ومسؤولون عنها بقوله تعالى (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ(6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (7) [فصلت/6، 7] ) فتوعدهم على منعهم الزكاة ، وأخبر عن المجرمين أنهم يقال لهم (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ(42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47) [المدثر/42-47] ) [2]
الرابع: أن الكفار يتفاوتون في كفرهم وذنوبهم ومعاصيهم ، ويحلون في النار بمقدار هذه الذنوب ، فالنارُ دركات بعضها تحت بعض ، فَإِذَا كَانَ بَعْضُ الْكُفَّارِ عَذَابُهُ أَشَدُّ عَذَابًا مِنْ بَعْضٍ - لِكَثْرَةِ سَيِّئَاتِهِ وَقِلَّةِ حَسَنَاتِهِ - كَانَ الْحِسَابُ لِبَيَانِ مَرَاتِبِ الْعَذَابِ لَا لِأَجْلِ دُخُولِهِمْ الْجَنَّةَ . [3]
وبذكر القرطبي وجهين لوزن الأعمال ، الأول: أنه يوضع في إحدى الكفتين كفره وسيئاته ، ولا يجد الكفار حسنة توضع في الكفة الأخرى ، فترجح كفة السيئات. والثاني: أن حسنات الكفار من صلة رحم وصدقة ومواساة الناس توضع في كفة الحسنات ، ولكن كفة السيئات ترجح بسبب كفره وشركه .
والوجه الأول هو الصحيح لأن الشرك يحبط الأعمال كما قال تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (65) سورة الزمر ، كما أنه صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الكافر يطعم بحسنته في الدنيا فيأتي يوم القيامة وليس له حسنات
وبعد تقرير سؤال الكفار فيما سبق ، فكيف توجه النصوص الدالة على خلاف ذلك كقوله تعالى: { وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} (78) سورة القصص، وقوله (هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ(35) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (36) [المرسلات/35، 36] ) ،والجواب على ذلك أنه ليس بين هذه النصوص إن شاء الله تعالى تعارض وقد وفق أهل العلم بينهما بوجوه عدة:
الأول: أن الكفار لا يسألون سؤال شفاء وراحة ، وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ.
الثاني: أنهم لا يسألون سؤال استفهام ، لأنه تعالى عالم بكل أعمالهم ، وإنما يسألهم سؤال تقرير.
الثالث: أنهم يسالون في يوم القيامة في موطن دون موطن
قال القرطبي: قوله تعالى: { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } أي لنسألن هؤلاء الذين جرى ذكرهم عما عملوا في الدنيا . وفي البخاريّ: وقال عِدة من أهل العلم في قوله: { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } عن لا إله إلا الله .
ثم قال: قلت: والآية بعمومها تدل على سؤال الجميع ومحاسبتهم كافِرهم ومؤمِنهم ، إلا من دخل الجنة بغير حساب على ما بيناه في كتاب ( التذكرة ) . فإن قيل: وهل يسأل الكافر ويحاسب؟ قلنا: فيه خلاف ، وذكرناه في التذكرة . والذي يظهر سؤاله ، للآية وقولِه: { وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ } [ الصافات: 24 ] وقولِه: { إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ } [ الغاشية: 25 26 ] . فإن قيل: فقد قال تعالى: { وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون } [ القصص: 78 ] وقال: { فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ } [ الرحمن: 39 ] ، وقال: { وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله } [ البقرة: 174 ] ، وقال: { إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ } [ المطففين: 15 ] . قلنا: القيامة مواطن ، فموطن يكون فيه سؤال وكلام ، وموطن لا يكون ذلك فيه . قال عكرمة: القيامة مواطن ، يسأل في بعضها ولا يسأل في بعضها . وقال ابن عباس: لا يسألهم سؤال استخبار واستعلام هل عملتم كذا وكذا؛ لأن الله عالم بكل شيء ، ولكن يسألهم سؤال تقريع وتوبيخ فيقول لهم: لِمَ عصيتم القرآن وما حجتكم فيه؟ واعتمد قُطْرُب هذا القول . وقيل: «لنسألنهم أجمعين» يعني المؤمنين المكلفين؛ بيانُه قولُه تعالى: { ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم } [ التكاثر: 8 ] . والقول بالعموم أولى كما ذكر . والله أعلم . [4]
ـــــــــــــ
(1) - مجموع الفتاوى - (ج 4 / ص 305)
(2) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 4901)
(3) - مجموع الفتاوى - (ج 4 / ص 306)
(4) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 3066)