فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 208

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: يَلْقَى رَجُلٌ أَبَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيَقُولُ لَهُ: يَا أَبَتِ ، أَيُّ ابْنٍ كُنْتُ لَكَ ؟ فَيَقُولُ: خَيْرُ ابْنٍ ، فَيَقُولُ: هَلْ أَنْتَ مُطِيعِيَّ الْيَوْمَ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ ، فَيَقُولُ: خُذْ بِأُزْرَتِي ، فَيَأْخُذُ بِأُزْرَتِهِ ، ثُمَّ يَنْطَلِقُ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَهُوَ يَعْرِضُ الْخَلْقَ ، فَيَقُولُ: يَا عَبْدِي ، ادْخُلْ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتَ ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ ، وَأَبِي مَعِي ، فَإِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لاَ تُخْزِيَنِي ، قَالَ: فَيَمْسَخُ اللَّهُ أَبَاهُ ضَبُعًا ، فَيُعْرِضُ عَنْهُ ، فَيَهْوِي فِي النَّارِ ، فَيَأْخُذُ بِأَنْفِهِ ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَا عَبْدِي ، أَبُوكَ هُوَ ؟ فَيَقُولُ: لاَ وَعِزَّتِكَ" [1] "

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ:"يَلْقَى الرَّجُلُ أَبَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: يَا أَبَتَاهُ، أَيُّ ابْنٍ كُنْتُ لَكَ؟ قَالَ: خَيْرُ ابْنٍ، قَالَ: هَلْ أَنْتَ مُطِيعِيَّ الْيَوْمَ بشئٍ آمُرُكَ بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: خُذْ بِيَدِي، فَيَأْخُذُ بِيَدِهِ، فَيَنْطَلِقُ بِهِ حَتَّى يَأْتِيَ الرَّبَّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَهُوَ يَعْرِضُ الْخَلْقَ، فَيَقُولُ: ابْنَ آدَمَ، ادْخُلْ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، وَأَبِي مَعِي ؛ فَإِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَلا تُخْزِيَنِي. فَيُعْرِضُ عَنْهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَيُقْبِلُ عَلَى الْخَلْقِ يَعْرِضُهُمْ، ثُمَّ يُقْبِلُ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: ابْنَ آدَمَ، ادْخُلْ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، وَأَبِي مَعِي ؛ فَإِنَّكَ قَدْ وَعَدْتَنِي أَنْ لا تُخْزِيَنِي، فَيُعْرِضُ عَنْهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَيُقْبِلُ عَلَى الْخَلْقِ فَيَعْرِضُهُمْ، فَيَقُولُ: ابْنَ آدَمَ ادْخُلْ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، وَأَبِي مَعِي، فَإِنَّكَ قَدْ وَعَدْتَنِي أَنْ لا تُخْزِيَنِي، فَيَمْسَخُ اللَّهُ أَبَاهُ ضِبْعَانًا، أَبْجَرَ أَوْ أَمْجَرَ، فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَيَأْخُذُ بَأَرْنَبَتِهِ، فَيَقُولُ: أَبُوكَ هَذَا؟ فَيَقُولُ: لا، وَعِزَّتِكَ، مَا هَذَا أَبِي". قَالَ مُحَمَّدُ بن سِيرِينَ: فَكُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ إِبْرَاهِيمُ - صلى الله عليه وسلم -" [2] "

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: يَأْخُذُ رَجُلٌ بِيَدِ أَبِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، يُرِيدُ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ ، فَيُنَادَى: أَلاَ إِنَّ الْجَنَّةَ لاَ يَدْخُلُهَا مُشْرِكٌ ، قَالَ: فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ ، أَبِي ، قَالَ: فَيُحَوَّلُ فِي صُورَةٍ قَبِيحَةٍ ، وَرِيحٍ مُنْتِنَةٍ ، فَيَتْرُكُهُ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ ، قَالَ: وَلَمْ يَزِدْهُمْ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى ذَلِكَ. [3]

وَالضِّبْعَان لُغَة فِي الضَّبْع . وَقَوْله:"مُتَلَطِّخ"قَالَ بَعْض الشُّرَّاح: أَيْ فِي رَجِيع أَوْ دَم أَوْ طِين . وَقَدْ عَيَّنَتْ الرِّوَايَة الْأُخْرَى الْمُرَاد وَأَنَّهُ الِاحْتِمَال الْأَوَّل حَيْثُ قَالَ: فَيَتَمَرَّغ فِي نَتْنه .

قِيلَ: الْحِكْمَة فِي مَسْخه لِتَنْفِرَ نَفْسُ إِبْرَاهِيم مِنْهُ وَلِئَلَّا يَبْقَى فِي النَّار عَلَى صُورَته فَيَكُون فِيهِ غَضَاضَة عَلَى إِبْرَاهِيم .

وَقِيلَ: الْحِكْمَة فِي مَسْخه ضَبْعًا أَنَّ الضَّبْع مِنْ أَحْمَق الْحَيَوَان ، وَآزَرَ كَانَ مِنْ أَحْمَق الْبَشَر ، لِأَنَّهُ بَعْدَ أَنْ ظَهَرَ لَهُ مِنْ وَلَده مِنَ الْآيَات الْبَيِّنَات أَصَرَّ عَلَى الْكُفْر حَتَّى مَاتَ . وَاقْتَصَرَ فِي مَسْخه عَلَى هَذَا الْحَيَوَان لِأَنَّهُ وَسَط فِي التَّشْوِيه بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا دُونَهُ كَالْكَلْبِ وَالْخِنْزِير وَإِلَى مَا فَوْقَهُ كَالْأَسَدِ مَثَلًا ، وَلِأَنَّ إِبْرَاهِيم عليه السلامُ بَالَغَ فِي الْخُضُوع لَهُ وَخَفْض الْجَنَاح فَأَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَأَصَرَّ عَلَى الْكُفْر فَعُومِلَ بِصِفَةِ الذُّلّ يَوْمَ الْقِيَامَة ، وَلِأَنَّ لِلضَّبْعِ عِوَجًا فَأُشِيرَ إِلَى أَنَّ آزَرَ لَمْ يَسْتَقِمْ فَيُؤْمِن بَلِ اِسْتَمَرَّ عَلَى عِوَجه فِي الدِّين .

وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذَا الْحَدِيث مِنْ أَصْله وَطَعَنَ فِي صِحَّته فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ: هَذَا خَبَر فِي صِحَّته نَظَر مِنْ جِهَة أَنَّ إِبْرَاهِيم عَلِمَ أَنَّ اللَّه لَا يُخْلِف الْمِيعَاد ؛ فَكَيْف يَجْعَل مَا صَارَ لِأَبِيهِ خِزْيًا مَعَ عِلْمه بِذَلِكَ ؟ .

وَقَالَ غَيْره: هَذَا الْحَدِيث مُخَالِف لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ } (114) سورة التوبة اِنْتَهَى .

وَالْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ أَنَّ أَهْل التَّفْسِير اِخْتَلَفُوا فِي الْوَقْت الَّذِي تَبَرَّأَ فِيهِ إِبْرَاهِيم مِنْ أَبِيهِ ، فَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا لَمَّا مَاتَ آزَرَ مُشْرِكًا ، وَهَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس وَإِسْنَاده صَحِيح . وَفِي رِوَايَة:"فَلَمَّا مَاتَ لَمْ يَسْتَغْفِر لَهُ"وَمِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس نَحْوه قَالَ:"اِسْتَغْفَرَ لَهُ مَا كَانَ حَيًّا فَلَمَّا مَاتَ أَمْسَكَ"وَأَوْرَدَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيق مُجَاهِد وَقَتَادَةَ وَعَمْرو بْن دِينَار نَحْو ذَلِكَ ، وَقِيلَ إِنَّمَا تَبَرَّأَ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَة لَمَّا يَئِسَ مِنْهُ حِينَ مُسِخَ عَلَى مَا صُرِّحَ بِهِ فِي رِوَايَة اِبْن الْمُنْذِر الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا ، وَهَذَا الَّذِي أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي سُلَيْمَان سَمِعْت سَعِيد بْن جُبَيْر يَقُول: إِنَّ إِبْرَاهِيم يَقُول يَوْمَ الْقِيَامَة: رَبِّ وَالِدِي ، رَبِّ وَالِدِي . فَإِذَا كَانَ الثَّالِثَة أُخِذَ بِيَدِهِ فَيَلْتَفِت إِلَيْهِ وَهُوَ ضِبْعَان فَيَتَبَرَّأ مِنْهُ . وَمِنْ طَرِيق عُبَيْد بْن عُمَيْر قَالَ: يَقُول إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ: إِنِّي كُنْت آمُرك فِي الدُّنْيَا وَتَعْصِينِي ، وَلَسْت تَارِكك الْيَوْمَ فَخُذْ بِحَقْوِي ، فَيَأْخُذ بِضَبْعَيْهِ فَيُمْسَخ ضَبْعًا ، فَإِذَا رَآهُ إِبْرَاهِيم مُسِخَ تَبَرَّأَ مِنْهُ . وَيُمْكِن الْجَمْع بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّهُ تَبَرَّأَ مِنْهُ لَمَّا مَاتَ مُشْرِكًا فَتَرَكَ الِاسْتِغْفَار لَهُ ، لَكِنْ لَمَّا رَآهُ يَوْمَ الْقِيَامَة أَدْرَكَتْهُ الرَّأْفَة وَالرِّقَّة فَسَأَلَ فِيهِ ، فَلَمَّا رَآهُ مُسِخَ يَئِسَ مِنْهُ حِينَئِذٍ فَتَبَرَّأَ مِنْهُ تَبَرُّءًا أَبَدِيًّا، وَقِيلَ: إِنَّ إِبْرَاهِيم لَمْ يَتَيَقَّن مَوْته عَلَى الْكُفْر بِجَوَازِ أَنْ يَكُون آمَنَ فِي نَفْسه وَلَمْ يَطَّلِع إِبْرَاهِيم عَلَى ذَلِكَ ، وَتَكُون تَبْرِئَته مِنْهُ حِينَئِذٍ بَعْدَ الْحَال الَّتِي وَقَعَتْ فِي هَذَا الْحَدِيث .

قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: فَإِنْ قُلْت: إِذَا أَدْخَلَ اللَّه أَبَاهُ النَّار فَقَدْ أَخْزَاهُ لِقَوْلِهِ: ( إِنَّك مَنْ تُدْخِل النَّار فَقَدْ أَخْزَيْته ) وَخِزْي الْوَالِد خِزْي الْوَلَد فَيَلْزَم الْخُلْف فِي الْوَعْد وَهُوَ مُحَال ، وَلَوْ أَنَّهُ يَدْخُل النَّار لَزِمَ الْخُلْف فِي الْوَعِيد وَهُوَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ: ( إِنَّ اللَّه حَرَّمَ الْجَنَّة عَلَى الْكَافِرِينَ ) وَالْجَوَاب أَنَّهُ إِذَا مُسِخَ فِي صُورَة ضَبْع وَأُلْقِيَ فِي النَّار لَمْ تَبْقَ الصُّورَة الَّتِي هِيَ سَبَب الْخِزْي ، فَهُوَ عَمَل بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيد .

وَجَوَاب آخَر: وَهُوَ أَنَّ الْوَعْد كَانَ مَشْرُوطًا بِالْإِيمَانِ ، وَإِنَّمَا اِسْتَغْفَرَ لَهُ وَفَاءً بِمَا وَعَدَهُ ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ . قُلْت: وَمَا قَدَّمْته يُؤَدِّي الْمَعْنَى الْمُرَاد مَعَ السَّلَامَة مِمَّا فِي اللَّفْظ مِنَ الشَّنَاعَة ، وَاَللَّه أَعْلَم [4] .

ـــــــــــــ

(1) - المستدرك للحاكم (8750) صحيح

(2) - المعجم الكبير للطبراني - (ج 19 / ص 303) (743 ) صحيح

(3) - صحيح ابن حبان - (ج 2 / ص 411) (645) صحيح

(4) - فتح الباري لابن حجر - (ج 13 / ص 287)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت