وهذه النصوص قاطعة الدلالة ساطعة البرهان صحيحة السند والمتن، مما اتفق عليها الشيخان وتلقتها الأمة بالقبول، بل وتفيد اليقين للاتفاق عليها في الصحيحين كما هو مقرر عند علماء الأصول، أما التأويل فليس إليه سبيل لصراحة الألفاظ ووضوح المعنى وتخصصها في حدث بعينه ولا تحتمل أكثر من معنى بحيث تُوجب العدول إلي معنى دون الآخر، فإذا كانت لا تحتمل إلا المعنى الواحد فلا يجوز صرفه إلى معنى آخر إلا بقرينة أقوى كما هو مقرر عند علماء الأصول، وأما دعاوى النسخ فهي من أسمج الردود فكيف تُنسخ أحاديث قالها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على فراش مرض موته، فهل نُسخت بعد الموت؟ بل أثبتت عائشة رضي الله عنها أن هذه الوصية هي آخر عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأمته، فقالت: كان آخر ما عهد به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لا يبقين في جزيرة العرب دينان" [أحمد] ."
ومما يرد حديثًا قول القائل أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"أخرجوا"ولم يقل: اقتلوا، قلنا فإنْ لم يخرجوا، فماذا نفعل؟
نرجوهم أم نشجب موقفهم أم ندين بقاءهم أم نستنكر رفضهم، أم تُرانا نرفع الشكوى لمجلس الأمن، أو نعتصم ونتظاهر أمام أبواب الأمم المتحدة -علينا-.
-أسلم تسلم ...
في الزاد: في الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب إلي هِرَقل:"بسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مِنْ محمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، إلى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّوم، سَلامٌ عَلَى مَن اتَّبعَ الهُدى، أمَّا بَعْدُ: فإني أدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإسْلامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَك مَرَّتَيْنِ، فَإنْ تَوَلَّيْتَ، فَإنَّ عَلَيك إثْمَ الأرِيسيّينَ، و"يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فَإن تَوَلَّوا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُون" [آل عمران: 64] )".
وكَتَبَ إلى كِسْرَى:"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مِنْ محمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، إلى كِسْرَى عَظِيمِ فَارِسٍ، سَلامٌ عَلَى مَن اتَّبَعَ الهُدَى وآمَنَ باللهِ وَرَسُولِهِ، وشَهدَ أنْ لاَ إله إلاَّ الله وحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُه ورَسُولُهُ، أدْعُوكَ بِدِعَايَة اللهِ، فإني أنا رَسُولُ اللهِ إلى النَّاسِ كَافَّةً لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكَافِرِينَ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، فَإنْ أَبَيْتَ فَعَلَيْكَ إثْمُ المَجُوسِ"، فلما قُرِاءَ عليه الكتابُ، مزَّقه، فبلغ ذلك - صلى الله عليه وسلم - فقال:"مزَّقَ اللهُ مُلْكَه".
وكتب إلى المقوقِس مَلكِ مصرَ والإسكندرية:"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مِنْ محمَّدٍ عبدِ اللهِ ورسُولِه، إلى المُقَوْقِس عظِيمِ القِبْطِ، سَلامٌ على من اتَّبَعَ الهُدى، أما بَعْدُ: فإني أدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإسْلامِ، أَسْلِم تَسْلَمْ، أَسْلِم يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فإنْ تَوَلَّيْتَ فإنَّ عَلَيْكَ إثْمَ القِبْط،"يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فَإن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنَّا مُسْلِمُونَ" [آل عمران: 64] ".
وعند ابن سيد الناس: وكتب إلى ملك عُمَانَ كتابًا، بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مِنْ محمَّدٍ بنِ عبد الله إلى جَيْفَرٍ وعَبْدٍ ابني الجُلَنْدى، سَلامٌ على مَن اتَّبعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فإني أَدْعُوكُما بدِعَايَةِ الإسْلام، أَسْلِما تَسْلَما، فإني رسولُ اللهِ إلى النَّاسِ كَافَّةً لأُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكَافِرِين، فإنَّكُما إنْ أقْرَرْتُمَا بالإسْلاَمِ ولَّيْتُكُمَا، وإن أبَيْتُما أنْ تُقِرَّا بالإسْلام، فإنَّ مُلْكَكُمَا زَائِلٌ عَنْكُمَا، وَخَيْلى تَحُلّ بسَاحَتِكُمَا، وتَظْهَرُ نُبُوَّتى على مُلْكِكُمَا"."
وكتب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى صاحب اليمامة هَوْذَة بن على، وأرسل به مع سَليط بن عَمْرو العامرى:"بسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مِنْ محمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إلى هَوْذَة بن علىّ، سَلامٌ عَلى من اتَّبعَ الهُدى، واعْلَمْ أنَّ دِينى سَيَظْهَرُ إلى مُنْتَهى الخُفِّ والحافِر، فأسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَجْعَلْ لَكَ ما تَحتَ يَدَيْكَ".
"أسلم تسلم"فإنْ لم تفعل فالأمر ما ترى لا ما تسمع، وموعدنا مؤتة وتبوك والقادسية وذات الصواري.
هذا هو الخطاب وهذه هي الاستراتيجة، فلا يُدعى الكفار لأمر غير: أسلم تسلم، لا مفاوضات أو مساومات أو تنازلات، فالحق واحد لا يتعدد وإنا أو اياهم لعلى هدى أو في ضلال مبين، أما أن يكون بيننا وبين عدونا نقاط التقاء أو مراكز تواصل أو احتمال اتفاق فهو المخالف لقول ربنا:"وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا" [البقرة217] .
-ولكنكم قوم تستعجلون ...