الصفحة 175 من 216

فقلت: سوف تعلم فنام فقمت فقتلته شر قتلة وخرجت فلقيت رجلين من قريش يتحسسان أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: استأسرا، فقالا: أنحن نستأسر لك؟ فرميت أحدهما بسهم فقتلته ثم قلت للآخر: استأسر فاستأسر، فأوثقته فقدمت به على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد شددت إبهامه بوتر قوسي فنظر إليّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضحك ودعا لي بخير.

-اغتيال كعب بن الأشرف:

كان كعب بن الأشرف من أشد اليهود حقدا وضغينة على الإسلام، وإيذاءً للرسول - صلى الله عليه وسلم -، وإعلانًا للحرب على المسلمين.

كان من قبيلة طيء وأمه من بني النضير، ولكنه فارقهم في حصن له، ولما بلغه خبر انتصار المسلمين، وقتل صناديد قريش في بدر قال: أحق هذا؟ هؤلاء أشراف العرب، وملوك الناس، واللَّه إن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها.

وقام يهجو رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين، ويؤلب عليهم عدوهم، بل تمادى في فجوره وأتى قريشًا ينشد الأشعار يبكي فيها على أصحاب القليب من قتلى المشركين، يثير بذلك ضغائنهم، ويشعل نار حقدهم، ويدعوهم إلى حرب الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

يسأله أبو سفيان والمشركون أديننا أحب إليك أم دين محمد وأصحابه؟ وأي الفريقين أهدى سبيلًا؟ فقال: أنتم أهدى منهم سبيلًا، وأفضل، وفي ذلك أنزل اللَّه تعالى:"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا" [النساء: 51]

ثم عند مرجعه، أعلنها حربًا إعلامية على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحبه - رضي الله عنهم -، وأخذ يشبب في أشعاره بنساء الصحابة، ويؤذيهم بفحش لسانه أشد الإيذاء، حينها صدر الأمر من رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم:"من لكعب بن الأشرف؟ فإنه آذى اللَّه ورسوله"، فخرج له محمد بن مسلمة، وعباد بن بشر، وأبو نائلة - وهو أخو كعب من الرضاعة - والحارث بن أوس، وأبو عبس بن حبر، وكان قائد هذه المجموعة محمد بن مسلمة.

وتفيد الروايات [عند ابن هشام وغيره] أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - لما قال:"من لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى اللَّه ورسوله"، فقام محمد بن مسلمة فقال: أنا يا رسول اللَّه، أتحب أن أقتله؟ قال:"نعم". قال: فأذن لي أن أقول شيئا [أي أكذب] ً. قال:"قل".

فأتاه محمد بن مسلمة، فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقة، وإنه قد عنانا.

قال كعب: واللَّه لتملنه.

قال محمد: فإنا قد اتبعناه، فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه؟ وقد أردنا أن تسلفنا وسقًا أو وسقين.

قال كعب: نعم أرهنوني.

قال محمد: أي شيء تريد؟

قال: ارهنوني نساءكم.

قال: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟

قال: فترهنوني أبناءكم.

قال: كيف نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم فيقال: رهن بوسق أو وسقين. هذا عار علينا. ولكنا نرهنك اللأمة، يعني السلاح.

فواعده أن يأتيه.

وصنع أبو نائلة مثل ما صنع محمد بن مسلمة، فقد جاء كعبًا فتناشد معه أطراف الأشعار سويعة، ثم قال له ويحك يا ابن الأشرف، إني قد جئت لحاجة أريد ذكرها لك فاكتم عني.

قال كعب: أفعل.

قال أبو نائلة: كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء، عادتنا العرب، ورمتنا عن قوس واحدة، وقطعت عنا السبل حتى ضاع العيال، وجهدت الأنفس، وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا، وبمثل حديث محمد توجه الطلب من أبي نائلة بزيادة: إن معي أصحابًا لي على مثل رأيي، وقد أردت أن آتيك بهم فتبايعهم وتحسن في ذلك.

وقد قصد محمد وأبو نائلة ألا ينكر عليهما حمل السلاح، أو المجئ بالرجال مسلحين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت