يشتد فطلع على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو جالس في المسجد فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"هذا رجل قد رأى فزعا"، فلما انتهى إليه قال:"ويحك ما لك"، قال: قتل صاحبكم صاحبي، فما برح حتى طلع أبو بصير متوشحا السيف، فوقف على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله وفت ذمتك وأدى الله عنك وقد امتنعت بنفسي عن المشركين أن يفتنوني في ديني وأن يعبثوا بى، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ويل امه محش حرب لو كان معه رجال"، فخرج أبو بصير حتى نزل بالعيص وكان طريق أهل مكة إلى الشام فسمع به من كان بمكة من المسلمين وبما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه فلحقوا به حتى كان في عصبة من المسلمين قريب من الستين أو السبعين فكانوا لا يظفرون برجل من قريش إلا قتلوه ولا تمر عليهم عير إلا اقتطعوها حتى كتبت فيها قريش إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسألونه بأرحامهم لما آواهم فلا حاجة لنا بهم ففعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقدموا عليه المدينة ...
-كيف أفلت أبو بصير من الأسر؟
في البخاري: ... فخرج أبو بصير وخرجا حتى إذا كانوا بذي الحليفة جلسوا إلى سور جدار فقال أبو بصير للعامري: أصارم سيفك هذا يا أخا بني عامر؟، قال: نعم، قال: أنظر إليه، قال: إن شئت، فاستله فضرب به عنقه وخرج المولى يشتد فطلع على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو جالس في المسجد ...
وعند أبي داود والإمام أحمد: فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا فيه فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغ به ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إنى لأري سيفك يا فلان هذا جيدًا، فاستله الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد لقد جربت به ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه فأمكنه منه فضربه به حتى برد وفر الآخر حتى أتى المدينة.
-سلب القتيل الذي قتله أبو بصير:
عند البيهقي في السنن الكبرى: وجاء أبو بصير بسلبه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال خمس يا رسول الله قال:"إني إذا خمسته لم أوف لهم بالذي عاهدتهم عليه ولكن شأنك بسلب صاحبك واذهب حيث شئت"، فخرج أبو بصير معه خمسة نفر كانوا قدموا معه من المسلمين من مكة حتى كانوا بين العيص وذي المروة من أرض جهينة على طريق عيرات قريش مما يلي سيف البحر لا يمر بهم عير لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها وانفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو في سبعين راكبا أسلموا وهاجروا فلحقوا بأبي بصير وكرهوا أن يقدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هدنة المشركين.
-من الذي أسر العاص بن الربيع؟
في الإصابة في تمييز الصحابة: أبو العاص بن الربيع زوج زينب رضي الله عنها.
أخرج الحاكم بسند صحيح عن الشعبي قال: فاتفق أن خرج إلى الشام في تجارة فلما كان بقرب المدينة أراد بعض المسلمين أن يخرجوا إليه فيأخذوا ما معه ويقتلوه فبلغ ذلك زينب فقالت يا رسول الله أليس عقد المسلمين وعهدهم واحدا؟ قال: نعم، قالت: فاشهد أني أجرت أبا العاص فلما رأى ذلك أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرجوا إليه عزلا بغير سلاح فقالوا له: يا أبا العاص إنك في شرف من قريش وأنت ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصهره فهل لك أن تسلم فتغتنم ما معك من أموال أهل مكة؟ قال: بئسما أمرتموني به أن أنسخ ديني بغدرة فمضى حتى قدم مكة فدفع إلى كل ذي حق حقه ثم قام فقال: يا أهل مكة أوفت ذمتي؟ قالوا: اللهم نعم، فقال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ثم قدم المدينة مهاجرا.
قال ابن حجر: هذا مع صحة سنده إلى الشعبي مُرسل وهو شاذ خالفه ما هو أثبت منه، ففي المغازي لابن إسحاق: عن عائشة - رضي الله عنها وغضب على من يبغضها - قالت: لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص فلما رآها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رق لها رقة شديدة وقال للمسلمين: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها قلادتها ففعلوا.
وساق ابن إسحاق قصته أطول من هذا وأنه شهد بدرا مع المشركين وأسر فيمن أسر، ففادته زينب، فاشترط عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرسلها إلى المدينة ففعل ذلك، ثم قدم في عير لقريش فأسره المسلمون وأخذوا ما معه، فأجارته زينب فرجع إلى مكة فأدى الودائع إلى أهلها، ثم هاجر إلى المدينة مسلما فرد النبي - صلى الله عليه وسلم - إليه ابنته ويمكن الجمع بين الروايتين.