أراك تطوف بمكة آمنًا، وقد آويتم الصُّبَاه وزعمتم أنكم تنصرونهم، وتعينونهم، أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالمًا، فقال له سعد ورفع صوته عليه: أما والله لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه، طريقك على المدينة"."
وفي رواية عند البيهقي:"والله لئن منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعن عليك متجرك إلى الشام".
-الضغط الاقتصادي:
ومما يؤكد بلوغ الحصار من قريش المبالغ حتى أنها ما باتت تأمن على قوافلها، ما جاء في الرحيق المختوم من قول صفوان بن أمية لقريش - وهو الذي نخبته قريش في هذا العام لقيادة تجارتها إلى الشام-: إن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - وصحبه عَوَّرُوا علينا متجرنا، فما ندري كيف نصنع بأصحابه، وهم لا يبرحون الساحل؟ وأهل الساحل قد وادعهم ودخل عامتهم معه، فما ندري أين نسلك؟ وإن أقمنا في دارنا هذه أكلنا رؤوس أموالنا فلم يكن لها من بقاء، وإنما حياتنا بمكة على التجارة إلى الشام في الصيف، وإلى الحبشة في الشتاء.
ودارت المناقشة حول هذا الموضوع، فقال الأسود بن عبد المطلب لصفوان: تنكب الطريق على الساحل وخذ طريق العراق - وهي طريق طويلة جدًا تخترق نجدًا إلى الشام، وتمر في شرقي المدينة على بعد كبير منها، وكانت قريش تجهل هذه الطريق كل الجهل- فأشار الأسود بن عبد المطلب على صفوان أن يتخذ فُرَات بن حَيَّان دليلًا له.
ويؤكّد ما سبق، ما رواه الإمام الطبراني في معجمه وابن هشام أن أبا جهل قال في معرض كلامه عن سريّة سيف البحر:"يا معشر قريش، إنَّ محمدًا قد نزل يثرب وأرسل طلائعه، وإنما يريد أن يصيب منكم شيئًا، فاحذروا أن تمرّوا طريقه وأن تقاربوه، فإنه كالأسد الضاري، إنه حنق عليكم".
-غزو سوق الخصم وتقليل موارده، والاكتفاء الذاتي الذي يمنع العدو من ضرب الحصار:
كشراء بئر رومة، عند الترمذي وصححه أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حينما قدم المدينة، ولم يكن بها ماء يتعذب غير بئر رومة، رغب أصحابه - رضي الله عنهم - بقوله:"من يشتري بئر رومة فيجعل منها دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة"، فاشتراها عثمان بن عفّان - رضي الله عنه -، وتصدق بها على السابلة، أي جعلها للمسلمين.
-حصار قريش على الرسول - صلى الله عليه وسلم:
جاء في الزاد: فلما رأت قريشٌ أمرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلو، والأمور تتزايد، أجمعوا على أن يتعاقدوا على بنى هاشم، وبني عبد المطلب، وبني عبد مناف، أن لا يُبايعوهم، ولا يُناكِحوهم، ولا يُكلِّموهم، ولا يُجالِسُوهُم، حتى يُسلِّموا إليهم رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وكتبوا بذلك صحيفة، وعلَّقوها في سقفِ الكعبةِ ... فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب مؤمنُهم وكافرهم، إلا أبا لهب، فإنه ظاهر قريشًا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبنى هاشم، وبنى المطلب، وحُبِسَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ومَنْ معه في الشِّعب ... وبقُوا محبوسينَ ومحصورينَ، مضيَّقًا عليهم جدًا، مقطوعًا عنهم المِيرةُ والمادةُ، نحوَ ثلاثِ سنين، حتى بلغهم الجَهْدُ، وسُمِعَ أصواتُ صِبيانِهم بالبُكاء مِن وراء الشِّعب.
-استلاب المال والغنائم وقصدها بالحرب:
في القرآن والسنة ما يثبت مشروعية القتال من أجل الغنائم كما في قوله تعالى:"وَإِذْ يَعدكم اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ" [الأنفال 7] ، فالشوكة هي الحرب والقتال وغيرُ ذاتِ الشوكة هي الغنيمةُ مع العير، وقد أثبت كعب بن مالك - رضي الله عنه - خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بدر يريد عير قريش، فقال في سياق قصَّة تخلُّفه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة العسرة:"غير أنِّي تخلَّفتُ عن غزوة بدر، ولم يُعاتب أحد تخلَّف عنها، إنَّما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُريد عير قريش"..
وقال تعالى:"سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَاخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ" [الفتح 15] ، والعلة في الانطلاق كانت من أجل الغنائم.
وقال:"وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ" [الفتح 20] ، فالإنكار كان على قصد القتل من أجل الغنيمة، لا على إرادة الغنيمة بمفردها ولذلك جاء الترغيب بما عند الله من غنائم كثيرة.
قال القرطبي في تفسير قوله تعالى:"وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ" [التوبة 49] ،قال: قال محمد بن إسحاق: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للجدّ بن قيس لما أراد الخروج إلى تبوك:"يا جدّ هل لك في جلاد بني الأصفر، تتخذ"