وفي رواية كعب ـ التي رواها ابن إسحاق ـ البند الأخير فقط من هذه البنود، ففيه: قال كعب: فتكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام، ثم قال:"أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم". فأخذ البراء بن مَعْرُور بيده ثم قال: نعم، والذي بعثك بالحق نبيًا، لنمنعنك مما نمنع أُزُرَنا منه، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحرب وأهل الْحَلْقَة، ورثناها كابرًا عن كابر.
قال: فاعترض القول أبو الهيثم بن التَّيَّهَان، فقال: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالًا، وإنا قاطعوها - يقصد اليهود في المدينة- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟
قال: فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال:"بل الدَّمُ الدَّمُ، والهَدْمُ الْهَدْمُ، أنا منكم وأنتم منى، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم".
ولم تكن هذه البيعة حمية شباب أو وليدة حماسة مؤقتة بل تعدتها قناعة لا تزول بزوال الجبال، قال ابن إسحاق: لما اجتمعوا للبيعة قال العباس بن عبادة بن نَضْلَة: هل تدورن علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم، قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا نَهََكَتْ أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلا أسلمتموه، فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزى الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نَهْكَة الأموال وقتل الأشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة.
قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا بذلك؟ قال:"الجنة". قالوا: ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه.
وفي رواية جابر قال: فقمنا نبايعه، فأخذ بيده أسعد بن زرارة - وهو أصغر السبعين- فقال: رويدا يا أهل يثرب، إنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه، وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو أعذر لكم عند الله. فقالوا: يا أسعد، أمِطْ عنا يدك. فوالله لا نذر هذه البيعة، ولا نستقيلها.
-معاهدة النصرة مع اليهود في المدينة:
قال ابن إسحاق: وكتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتابا بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه يهود وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم، واشترط عليهم:
وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم ... وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
ولذلك فبعد مأساة بئر معونة كان عمرو بن أمية في الطريق بالقَرْقَرَة، ونزل في ظل شجرة، وجاء رجلان من بني كلاب فنزلا معه، فلما ناما فتك بهما عمرو، وهو يرى أنه قد أصاب ثأر أصحابه، وإذا معهما عهد من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يشعر به، فلما قدم أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما فعل، فقال:"لقد قتلت قتيلين لأدِيَنَّهما"، وانشغل بجمع ديتهما من المسلمين ومن حلفائهم اليهود، وهذا الذي صار سببًا لغزوة بني النضير، كما قال ابن القيم: وسببُ ذلكَ أنه - صلى الله عليه وسلم - خرج إليهم في نَفَرٍ من أَصْحَابه، وكلَّمهم أن يُعينُوهُ في دِية الكِلاَبِيَيْنِ اللَّذَيْنِ قتلَهُمَا عمرُو بنُ أُميَّة الضَّمْرِي، فقالوا: نفعلُ يا أبا القاسم، اجلِس ههنا حتى نَقْضِىَ حاجَتك، وخلا بعضُهم ببعض، وسوَّلَ لهُم الشيطانُ الشقاء الذي كُتِبَ عليهم، فتآمروا بقتله - صلى الله عليه وسلم -، وقد نجاه الله.
-"حرب النصرة"ضد من يؤذي الرسول - صلى الله عليه وسلم:
أخرج الإمام مسلم في الصحيح عن سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه: لمّا اصطلحنا نحن وأهل مكّة، واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرة فكسحت شوكها، واضطجعت في أصلها، فأتاني أربعة من المشركين، فجعلوا يقعون في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي يذمونه- فأبغضتهم، فتحوّلت إلى شجرة أخرى، وعلّقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين! قتل ابن زينم. فاخترطت سيفي، ثمّ شددت على هؤلاء الأربعة وهم رقود، فأخذت سلاحهم، وجعلته ضغثًا في يدي -أي حزمة مجموعة-، ثمّ قلت: لا يرفع أحدكم رأسه إلاّ ضربت الذي فيه عيناه، ثمّ جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.