وجاء عمّي عامر برجل من العبلات، يقال له مكرز، يقوده إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على فرس مجفّف في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال:"دعوهم، يكن لهم بدء الفجور وثناه".
-"حرب النصرة"لاستنقاذ المسلوب:
في الزاد وأصله في الصحيحين: أَغار عُيَيْنَةُ بنُ حِصْنٍ الفَزَارِىُّ في بنى عبد اللهِ بن غَطَفَانَ على لِقَاحِ النبي - صلى الله عليه وسلم - التي بالغابة، فاستاقها، وقتل راعِيَهَا وهو رجلٌ من عُسفان، واحتملوا امرأته ... ونودي: يا خَيْلَ اللهِ ارْكَبى، وكان أول ما نُودى بها، ورَكِبَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُقنَّعًا في الحديد، فكان أول مَنْ قدم إليه المقدادُ بن عمرو في الدِّرع والمِغْفَرِ، فَعَقَدَ له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - اللِّواءَ في رُمحه، وقال:"امْضِ حتَّى تلحقك الخيولُ، إنَّا عَلَى أَثَرِكَ"... وأدركَ سلمةُ بنُ الأكوع القومَ، وهو على رِجليه، فجعلَ يرميهم بالنَّبْلِ ويَقُول:
خُذْهَا وَأنَا ابْنُ الأَكْوَع ** والْيَوْمَ يَوْمُ الرُّضَّع
حتى انتهى إلى ذي قَرَدٍ وقد استنقذَ مِنهم جميعَ اللِّقَاح وثلاثين بُردة، قال سلمة: فَلَحِقَنَا رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - والخيلُ عِشاءً، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إن القومَ عِطاش، فلو بعثتني في مائة رجل استنقذتُ ما في أيديهم من السَّرْح، وأخذتُ بأَعناق القوم، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم:"مَلَكْتَ فَأسْجِحْ"، ثم قالَ:"إنَّهُم الآنَ لَيُقْرَوْنَ في غَطَفَان".
وذهب الصريخُ بالمدينة إلى بنى عَمْرو بن عوف، فجاءت الأمدادُ ولم تزلِ الخيلُ تأتى، والرجالُ على أقدامهم وعلى الإبل، حتى انْتَهَوْا إلى رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بذي قَرَدٍ.
قال عبد المؤمن بن خلف: فاستنقذوا عَشْرَ لِقاح، وأُفلِتَ القومُ بما بقي، وهو عشر، قلت [القائل ابن القيم] : وهذا غلط بيِّن، والذي في الصحيحين: أنهم استنقذوا اللِّقَاحَ كُلَّها، ولفظ مسلم في صحيحه عن سلمة: حتى ما خلق الله مِن شيء مِن لِقاح رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إلا خلَّفتُه وراء ظهري، واستلبتُ مٍنهم ثلاثِينَ بُردةً.
-"حرب النصرة"وفتح مكة:
حين صالح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنيابة عن المسلمين سهيلًا بن عمرو بالنيابة عن قريش كان من بنود الصلح: من أحب من العرب أن يدخل في عقد محمد - صلى الله عليه وسلم - وعهده فعل، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدها فعل، فدخلت بنو بكر في حلف قريش ودخلت خزاعة في حلف محمد - صلى الله عليه وسلم -، ومن المعهود والمألوف عند العرب وغيرهم أن أي عدوان علي الحليف يعني عدوان على حليفه.
كانت بين بني بكر وخزاعة ثارات جاهلية خلفتها الحروب الدائمة بين قبائل العرب، وأِمن كل طرف الآخر بالصلح الموقع بين الحليفين، قال ابن القيم: فلما استمرَّت الهُدنة، اغتنمها بنو بكر من خُزاعة، وأرادوا أن يُصيبُوا منهم الثأرَ القديم، فخرج نوفلُ بنُ معاوية الدِّيلى في جماعة مِن بنى بكر، فبيَّت خُزاعة وهم على الوَتير، فأصابُوا منهم رجالًا، وتناوشُوا واقتتلوا، وأعانت قُريش بنى بكر بالسِّلاح، وقاتلَ معهم مِن قريش مَن قاتل مستخفيًا ليلًا، ذكر ابن سعد منهم: صفوان بن أُمية، وحُويطب بن عبد العُزَّى، ومِكْرز بن حفص، حتى حازوا خُزاعة إلى الحرم، فلما انتهوا إليه، قالت بنو بكر: يا نوفل؛ إنَّا قد دخلنا الحرم، إلهك إلهك. فقال كلمة عظيمة: لا إله لَهُ اليوم، يا بنى بكر أصيبُوا ثأركم، فلعمرى إنكم لتسرِقُون في الحرم أفلا تُصيبُونَ ثأركُم فيه؟ فلما دَخَلَتْ خُزاعة مكة، لجؤوا إلى دار بُديل بن ورقاء الخُزاعى ودار مولى لهم يقال له: رافع، ويخرج عمرو بن سالم الخُزاعى حتى قَدِمَ على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، فوقف عليه، وهو جالس في المسجد بين ظهرانى أصحابه فقال:
ياربِّ إنِّى نَاشِدٌ مُحَمَّدا * حِلْفَ أَبينَا وَأبيهِ الأتْلَدا
قَدْ كُنْتُمُ وُلْدًَا وكُنَّا وَالِدا * ثُمَّتَ أَسْلَمْنَا وَلَمْ نَنْزِعْ يَدا
فَانْصُرْ هَداَكَ اللهُ نَصْرًا أَبَدا * وادْعُ عِبَادَ اللهِ يَاتُوا مَدَدَا
فِيهِمْ رَسُولُ اللهِ قَدْ تَجَرَّدا * إنْ سِيمَ خَسْفًا وَجْهُهُ تَرَبَّدَا
في فَيْلَقٍ كالبَحْرِ يَجْرِى مُزْبِدا * إنَّ قُرَيْشًا أَخْلَفُوكَ المَوْعِدا
ونَقَضُوا مِيثَاقَكَ المُؤَكَّدَا * وَجَعَلُوا لى في كَدَاءٍ رَصَدَا
وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتَ تَدْعُو أَحَدَا * وَهُمْ أَذَلُّ وَأَقَلُّ عَدَدَا