هُمْ بَيَّتُونَا بِالوَتِيرِ هُجَّدَا * وَقَتَلُونَا رُكَّعًَا وَسُجَّدَا
يقول: قُتِلْنَا وقَدْ أَسْلَمْنَا، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم:"نُصِرْتَ يَا عَمْرو بنَ سالم"، ثم عرضَتْ سحابةٌ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال:"إنَّ هذه السَّحَابَةَ لَتَسْتَهِلُّ بِنَصْرِ بن كَعْبٍ"، ثم خرج بُديل بنُ ورقاء في نَفَرٍ من خُزاعة، حتى قَدِمُوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأخبروه بما أُصيب منهم، وبمُظَاهَرَةِ قريش بنى بكر عليهم، ثم رجعُوا إلى مكة.
وحاولت قريش تجديد الصلح فأرسلت أبا سفيان، قال ابن القيم: ثم خرج حتى أتى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فكلَّمه، فلم يَرُدَّ عليه شيئًا، ثم ذهبَ إلى أبي بكر، فكلَّمه أن يُكَلَّمَ لَهُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ما أنا بفاعل، ثم أتى عُمَرَ بنَ الخطاب فكلَّمه، فقال: أنا أشفعُ لكم إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فواللهِ لو لم أجد إلا الذَّرَّ لجاهدتُكم به، ثم جاء فدخل على علي بن أبي طالب، وعنده فاطمَةُ، وحسنٌ غلامٌ يَدِبُّ بين يديهما، فقال: يا علي، إنك أمسُّ القومِ بى رحمًا، وإنى قد جئتُ في حاجة، فلا أرْجِعَنَّ كما جئتُ خائبًا، اشفع لى إلى محمد، فقال: ويحك يا أبا سُفيان، واللهِ لقد عزم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على أمر ما نستطيعُ أن نُكَلِّمَه فيه، فالتفتَ إلى فاطمة فقال: هَلْ لَكِ أَنْ تأمُرى ابْنَك هذا، فيجير بينَ الناس، فيكون سيدَ العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: واللهِ ما يبلغُ ابنى ذاك أن يجير بين الناس، وما يجير أحدٌ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: يا أبا الحسن، إنى أرى الأُمورَ قد اشتدت علىَّ، فانصحنى، قال: واللهِ ما أعلم لك شيئًا يُغنى عنك، ولكنك سَيدُ بنى كِنانة، فقم فأجِرْ بين الناس، ثم الحق بأرضك، قال: أَوَ ترى ذلك مغنيًا عنى شيئًا؟ قال: لا واللهِ ما أظنه، ولكنِّى ما أجد لك غيرَ ذلك، فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس، إنى قد أجرتُ بين الناس، ثم ركب بعيره، فانطلق فلما قدم على قريش، قالوا: ما وراءك؟ قال: جئتُ محمدًا فكلَّمتُه، فواللهِ ما ردَّ علىَّ شيئًا، ثم جئتُ ابن أبى قُحافة، فلم أجد فيه خيرًا، ثم جئتُ عمر بن الخطاب، فوجدته أعدى العدُو، ثم جئتُ عليًا فوجدته ألين القوم، قد أشار علىَّ بشئ صنعته، فواللهِ ما أدرى، هل يُغنى عنى شيئًا، أم لا؟ قالوا: وبم أمرك؟ قال: أمرنى أن أجير بين الناس، ففعلتُ، فقالُوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا. قالوا: ويلَك، واللهِ إن زاد الرجلُ على أن لعب بك، قال: لا واللهِ ما وجدتُ غير ذلك.
وأمر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الناسَ بالجَهَازِ، وأمر أهله أن يُجهزوه، فدخل أبو بكر على ابنته عائشة رضى الله عنها، وهى تُحَرِّكُ بعضَ جهاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: أى بُنيَّة، أمركنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتجهيزه؟ قالت: نعم، فتجهز. قال: فأين تَرَيْنَهُ يُريد؟ قالت: لا والله ما أدرى.
ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلم الناس أنه سائر إلى مكة، فأمرهم بالجد والتجهيز، وقال:"اللَّهُمَّ خُذِ العُيُونَ والأَخْبَارَ عَنْ قُرَيْشٍ حَتَّى نَبْغَتَها في بِلاَدِهَا"، فتجهز الناسُ.
وكان فتح مكة ونصرة المستضعفين في مكة وما حواليها، ليتسبب غدر قريش بالفتح لكل المستضعفين في مكة، والذين منعهم المشركون من الهجرة بظلمها وبالقيد الذي كان في الحديبية، ولكن بالفتح أمن المسلمون في بيوتهم وطافوا ببيت الله لا يخشون إلا الله.
-"حرب النصرة"للمرأة المسلمة:
روى ابن هشام عن أبي عون: أن امرأة من العرب قدمت بجَلَبٍ لها، فباعته في سوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فَعَمَد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها - وهي غافلة - فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله - وكان يهوديًا - فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع.
-"حرب النصرة"للرجل المسلم:
قال ابن إسحاق: وبعث فروة بن عمرو النافرة الجذامي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رسولا بإسلامه، وأهدى له بغلة بيضاء، وكان فروة عاملًا للروم على من يليهم من العرب، وكان منزله معان وما حولها من أرض الشام، فلما بلغ الروم ذلك من إسلامه، طلبوه حتى أخذوه، فحبسوه عندهم، فقال في محبسه ذلك:
طرقت سليمى موهنا أصحابي * والروم بين الباب والقروان
صد الخيال وساءه ما قد رأى* وهممت أن أغفى وقد أبكاني
لا تكحلن العين بعدي إثمدا * سلمى ولا تدين للإتيان