قال الإمام أبو بكر بن العربي: «من التبرج أن تلبس المرأة ثوبًا رقيقًا يصفها، وهو المراد بقوله ^ في الحديث الصحيح: «رُبَّ نساءٍ كاسيات عاريات مائلات مميلات، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها» .
وإنما جعلهنَّ كاسياتٍ لأن الثيابَ عليهن. وإنما وصفهنَّ بعاريات لأن الثوب إذا رقَّ يكشفهنَّ، وذلك حرام» [1] اهـ.
وقد ذكر القرطبي نحوه، ونقل عن ابن العربي عبارته الأخيرة على نحو أتم فقال: «وإنما جعلهن كاسيات، لأن الثياب عليهن، وإنما وصفهن بأنهن عاريات لأن الثوب إذا رقَّ يصفهنَّ ويبدي محاسنهن، وذلك حرام» [2] اهـ.
ولعله لهذا المعنى الذي يحمله هذا الحديث الشريف، قال جرير بن عبد الله رضي الله عنه: «إن الرجل لَيَلبس وهو عارٍ، يعني: الثياب الرقاق» [3] اهـ.
3 ــ وعن هشام بن عروة: «أن المنذر بن الزبير قدم من العراق فأرسل إلى أسماء بنت أبي بكر من ثياب مَرْوية وقوهيَّة [4] رقاق عتاق بعدما كُفَّ بصرها، قال: فَلَمَستها بيدها، ثم قالت: أُفّ، رُدوا عليه كسوته. قال: فشقَّ ذلك عليه، وقال: يا أُمَّهْ، إنه لا يشفّ. قالت: إنها إن لم تشف فإنها تصف» [5] .
ففي هذا الأثر نجد أسماء بنت أبي بكر ترد الكسوة على المنذر بن الزبير التي أرسل بها إليها. ولما كان معروفًا عندهم عدم جواز الثياب الشفافة، فقد أخبرها ــ مستغربًا صنيعها ــ أن تلك الكسوة لا تشف، فَلِمَ تردُّها عليه؟
فأوضحت له أنها ــ لرقة ملمسها ــ إن لم تشف عن جسدها فإنها تصفه.
(1) أحكام القرآن (3/ 1401) .
(2) الجامع لأحكام القرآن (12/ 310) .
(3) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (5/ 136) : «رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح» .
(4) «مَرْويَّة» : ثياب منسوجة في «مَرْو» . وهي كما في لسان العرب: مدينة بفارس، النسب إليها: مَرْويّ، ومَرَويّ، ومَرْوَزيّ. (الأخيران من معدول النسب) . وقال الجوهري: النسبة إليها ... «مَرْوَزيّ» على غير قياس. والثوب: «مَرْوِيّ» على القياس.
و «قوهيَّة» : ثياب بيض، نسبة إلى «قُوهُستان» ، بين نيسابور وهَراة. وكل ثوب أشبهه يقال له ... «قوهيّ» وإن لم يكن من قوهستان. اهـ انظر القاموس المحيط. وحكى ابن منظور عن الأزهري: أن الثياب القوهية معروفة، منسوبة إلى قوهستان.
(5) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (8/ 252) بإسناد صحيح إلى المنذر، كما في حجاب المرأة المسلمة (ص / 57) .