وهذا يدل على أنه لا يحل لبس ما يشِفّ أو يصف.
ويشهد لأثر هشام ــ هذا ــ آثار عديدة ساقها ابن أبي شيبة في مصنفه تحت عنوان: «في لبس القباطي للنساء» [1] .
أ ــ فقد روى بسنده إلى أبي يزيد المزني أنه قال: «كان عمر ينهى النساء عن لبس القباطي، فقالوا: إنه لا يشف، فقال: إِلَّا يشِفّ فإنه يصف» .
ب ــ وروى بسنده عن أبي صالح، قال عمر: «لا تُلبسوا نساءكم القباطي فإن إلّا يشفّ يصف. «
ج ــ وروى أيضًا بسنده عن ابن عباس «أنه كان يكره لبس القباطي، فإنه إِلَّا يشفّ يصف. «
د ــ كما روى بإسناده عن نافع قال: «كسا ابن عمر مولاه يومًا من قباطي مصر، فانطلق به، فبعث ابن عمر فدعاه، فقال: ما تريد أن تصنع؟ فقال: أريد أن أجعله دِرعًا لصاحبتي، فقال ابن عمر: إن لم يكن يشف فإنه يصف» [2] اهـ.
4 ــ وروي عن أم علقمة بن أبي علقمة، قالت: «رأيت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر دخلت على عائشة وعليها خمار رقيق يشف عن جبينها، فشقته عائشة عليها، وقالت: أما تعلمين ما أنزل الله في سورة النور؟ ثم دَعَت بخمار فكَسَتها» [3] .
ففي هذا الأثر دليل واضح على عدم جواز لبس ما يشف من الثياب، ولولا ذلك لما سارعت السيدة عائشة رضي الله عنها إلى تغيير المنكر بيدها، فشقَّت خمار حفصة الذي كان يشِفّ عن جبينها، ولما ذكَّرَتها بما أنزل الله تعالى في سورة النور.
قال الباجي: «قولها: دخلت حفصة على عائشة وعلى حفصة خمار رقيق، يحتمل ــ والله أعلم وأحكم ــ أن يكون مع رِقَّتِه من الخفَّةِ ما يصف ما تحته من الشعر، ويحتمل أنه كان رقيقًا لا يستر الأعضاء وإن كان صفيقًا لشدة رقَّتِه ولصوقه بالأعضاء. والأول أظهر في الخمار، فكرهت لها عائشة رضي الله عنها ذلك، وشقَّته لتمنعها الاختمار به في المستقبل، وأعطتها ما تختمر به خمارًا كثيفًا تتخذُ في المستقبل مثله، وتريها الجنس الذي شُرع لها الاختمار به. ويحتمل أن تريد والله أعلم بذلك تعويضها مما شقَّته من خمارها تطييبًا لنفسها، ورفقًا بها» [4] اهـ.
وقد أخذ العلماء من مجموع الأحاديث والآثار المتقدمة عدم جواز لبسِ الثياب الشفافة أمام غير الزوج، على ما سيأتي بيانه ــ إن شاء الله تعالى.
واعتبر بعضهم ذلك من الكبائر، وحريٌّ به أن يكون كذلك لما ورد من لعن فاعله.
قال المحقق المرداوي: «يُكره لُبْسُ ما يصف البشرة للرجل والمرأة، الحي والميت، ولو لامرأة في بيتها. نص عليه. وقال أبو المعالي: لا يجوز لُبْسُه.
(1) مصنف ابن أبي شيبة (8/ 196) .
(2) مصنف ابن أبي شيبة (8/ 195 ــ 196) .
(3) أخرجه مالك (2/ 913) ، والبيهقي (2/ 235) .
(4) المنتقى شرح الموطأ (7/ 224) .