وقد رأى ابن الحاج ــ رحمه الله تعالى ــ بعض ما نراه اليوم من هذه النماذج التي تقرأ القرآن ولا يجاوز تراقِيَها، وتُحسنُ البيان ولكنه لايجاوز الآذان، وتسمح لنسائها من اللباس بما لم يأذن به الله.
قال طيَّب الله ثراه: «قد تقدم ــ رحمك الله ــ: نيةُ العالم وهديه في لُبسه وغير ذلك، وبقي الكلام هنا على لبس أهله.
فليحذر العالِمُ من هذه البدعة التي أحدثها النساء في لباسهن، وهن كما ورد ناقصات عقل ودين؛ فَلُبسُهنَّ كذلك ليس بحجة. فالذكر للنساء، والكلام مع مَن سامحهن من العلماء والأزواج. والعالم أولى من يأخذ على أهله، ويَرُدُّهنَّ للاتباع مهما استطاع في كل الأحوال.
فمن ذلك ما يَلبَسْنَ من هذه الثياب الضيقة القصيرة، وهما منهي عنهما ووردت السنة بضدهما، لأن الضيق من الثياب يصف من المرأة أكتافها وثدييها، وغير ذلك. هذا في الضيق.
وأما القصير فإن الغالب منهن أن يجعلن القميص إلى الركبة، فإن انحنَت، أو جلست، أو قامت، انكشفت عورتها، ووردت السنة أن ثوب المرأة تجره خلفها، ويكون فيه وُسع، بحيث إنه لا يصفها» [1] اهـ.
وليُعلم أن المرأة لو لبست ثوبًا ضيقًا في منزلها أمام محارمها، أو أمام غيرهم من النساء، فالحكم فيه يختلف باختلاف ما يُباح النظر إليه منها:
ــ فإن كان الثوب يصف ما فوق سُرّتها وما دون ركبتها فلا إثم عليها في ذلك، إذ ليس ذلك عورة أمام النساء المسلمات في المذاهب الأربعة [2] ، ولا أمام المحارم عند الشافعية [3] .
ولما كان لهؤلاء النظر إليه من غير ثوب فَلَأن يجوزَ مع الثوب الضيّق بالأَولى، شريطة أَمْنِ الفتنة.
ــ وإن كان الثوب يصف ما بين السُرَّة والركبة «كالبنطلونات النسائية» ــ مثلًا ــ فيحرم عليها أن تظهرَ بها أمام غير الزوج، ولو كان أمَّها وأختها، أو أباها وولدها، لما في ذلك من تجسيد عورتها، ووصف حجم عظامها، للأدلة السابقة.
وكما لا يجوز للمرأة لُبْسُ الثياب الضيقة التي تصف أعضاءها، فكذا لا يجوز نظرُ المحارم والنساء إلى المجسَّم من عورتها، ولا نظَرُ الأجانب إلى ما يصف أيَّ عضوٍ من أعضائها، حتى ولو كان ما تلبسه ثخينًا لا يشف عن شيء منها.
قال العلامة الشيخ علاء الدين عابدين: «ولا يجوز رؤية الثوب بحيث يصف حجم عضوها ولو كثيفًا لا تُرى البشرة منه، ولو بلا شهوة.
ولا ينظر إلى عورة غيره فوق ثوب ملتزقٍ بها يصف حجمها، كما أفاده سيدي الوالد مما استفاده مما في التبيين» [4] اهـ.
(1) المدخل (1/ 241) .
(2) انظر: الدر المختار (5/ 237 (بهامش رد المحتار، والشرح الصغير(1/ 288) ، ومغني المحتاج (3/ 131) ، والمغني (7/ 464 (لابن قدامة.
(3) انظر: مغني المحتاج (3/ 129) .
(4) الهدية العلائية (ص / 243) .