فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 297

3 ــ كما تعللت تلك الطائفة بما رَوَاه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي ^ قال: «أيُّما امرأة استعطرت فمرَّت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية، وكل عين زانية» [1] .

فقد استدلت تلك النابتة بهذا الحديث على أن المرأة إذا خرجت ساترة ما يجب عليها ستره من بدنها، ولم يكن قصدها فتنة الرجال أو استمالتهم للمعصية، فليس في ذلك أكثر من الكراهة التنزيهية، أي أنها لا تعصي.

وهذا القول مردود بما يلي:

)أ) إن قول النبي ^: «ليجدوا ريحها» ليس قيدًا تخرج به المرأة ــ التي خرجت متطيبة ــ من ذلك التشديد والتشنيع إذا لم تقصد شمّ الرجال ريحها. ولكنه وصف لحال الأعم الأغلب من النساء اللاتي يقصِدنَ من التطيب عند خروجهن من البيوت أن يشم الرجال ريحهن، وقد خرج مخرج الغالب، فليس له مفهوم مخالف، نظير قول الله سبحانه: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ الله مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النور: 33] .

)ب) ومما يدل على ذلك: ما رواه الترمذي وغيره، عن رسول الله ^ أنه قال: «كل عين زانية، والمرأة إذا استعطرت فمرَّت بالمجلس فهي كذا وكذا، يعني زانية» [2] .

فقد ورد هذا الحديث مطلقًا من قيد: «ليجدوا ريحها» الوارد في الحديث السابق ليدل دلالة واضحة على أن النهي عن خروجها متطيبة يشمل ما لو قصدت شم الرجال ريحها أم لم تقصد، لكنَّ الإثم أكبر عند وجود القصد؛ لهذا عَدَّ الذهبي والهيتمي ذلك من الكبائر.

فإن قيل: إن هذه الرواية مطلقة، ويجب حملها على الرواية الأخرى المقيدة.

قلنا: نعم، فقد فعل ذلك الفقيهُ الشافعيُّ، ابن حجر المكي الهيتمي حين فصَّلَ في الحكم فقال تحت عنوان: «الكبيرة التاسعة والسبعون بعد المائتين: خروج المرأة متعطرة متزينة من الكبائر حتى ولو أذن لها زوجها بذلك» فقال: «وينبغي حمله ليوافق قواعدنا ــ يعني قواعد الشافعية ــ على ما إذا تحققت الفتنة، أما مجرد خشيتها فهو مكروه، أما مع ظنها فهو حرام غير كبيرة، كما هو ظاهر» [3] اهـ.

وهذا الذي قاله هو مسلك مُحَدِّث أُصُولي فقيه، جمع أطراف الحديث واستنتج منها الحكم الشرعي لكل حالة، يَرُدُّ على كل من يدَّعي أن المرأة لا تنهى عن الطيب عند الخروج إلا إذا قصدت شم الرجال لطيبها، تمسكًا بإطلاق بعض الفقهاء الكراهة على ذلك رغم أنها مقيدة بمجرد الخشية من الفتنة، وإغفالًا من هذه الطائفة كون ذلك كبيرة عند التحقق منها.

وقد ذكر الآلوسي نحوًا مما قاله الهيتمي فقال: «قد يحرم عليهن الخروج، بل قد يكون كبيرة، كخروجهن لزيارة القبور إذا عظمت مفسدته وخروجهن ولو إلى المسجد وقد استعطرنَ وتزيَّنَّ إذا تحققت الفتنة، أما إذا ظُنت فهو حرام غير كبيرة» [4] اهـ.

(1) تقدم تخريجه في (ص / 284) .

(2) أخرجه الترمذي رقم (2787) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأبو داود رقم (4174 و 4175) .

(3) الزواجر عن اقتراف الكبائر (2/ 45) .

(4) روح المعاني (22/ 6) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت