وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: «يستحب أن يتطيب في بدنه عند إرادة الإحرام، سواء الطِّيب الذي يبقى له جُرم بعد الإحرام والذي لا يبقى، وسواء الرجل والمرأة. هذا هو المذهب، وبه قطع جماهير الأصحاب في جميع الطرق» .
وبعد أن أورد أقوالًا أخرى قال: «والصواب استحبابه مطلقًا، وسواء في استحبابه المرأة الشابة والعجوز. وقالوا: والفرق بينه وبين الجمعة؛ فإنه يكره للنِّساء الخروج إليها مُتطيبات؛ لأن مكان الجمعة يضيق، وكذلك وقتها فلا يمكنها اجتناب الرجال بخلاف النسك» [1] اهـ.
وقال الخطيب الشربيني: «ويُسنُّ أن يُطيِّب مريد الإحرام بدنه للإحرام رجلًا كان أو خنثى، أو امرأة شابة، أو عجوزًا، خليةً، أو متزوجة، اقتداءً به ^.
وقيل: لايُسن للمرأة، كذهابها إلى الجمعة. وفرق الأول: بأن زمان الجمعة ومكانها ضيق ولا يُمكنها تجنب الرجال، بخلاف الإحرام» [2] اهـ.
وبناءً على ذلك فإن هذا الحديث خاص بحالة الإحرام؛ ولعل الحكمة في الترخيص لهن بالطيب أثناء ذلك هي دفعُ الروائح الكريهة الناجمة عن كثرة التعرق من شدة الحرارة، وكثرة الزحام. ويبعد عنهن في الغالب كل البعد استمالة الرجال إلى المعصية أثناء ذلك؛ لكونهن يؤدين عبادة الله تعالى في أقدس البقاع.
أما ماعدا تلك الحالة فيحرم على المرأة أن تتطيب عند خروجها من بيتها، لدلالة الأحاديث المتقدمة التي تنهى عن ذلك أشد النهي.
2 ــ وتعللت تلك الطائفة أيضًا بما رَوَتهُ السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: «طيَّبتُ النبي ^ بيدي لِحُرْمِه، وطيَّبتُهُ بمنًى قبل أن يُفيض» [3] .
وليس في هذا الحديث أي دلالة على جواز خروج المرأة متطيبة. بل يؤخذ منه عين الترجمة التي وضعها له الإمام البخاري، حيث قال: «باب تطييب المرأة زوجها بيديها. «
قال الحافظ ابن حجر: «كأن فقه هذه الترجمة من جهة الإشارة إلى الحديث الوارد في الفرق بين طيب الرجل والمرأة. وأن طيب الرجل ماظهر ريحه وخفي لونه، والمرأة بالعكس، فلو كان ثابتًا لامتنعت المرأة من تطييب زوجها بطيبه، لما يَعلَقُ بيديها وبدنها منه حالة تطييبها له، وكان يكفيه أن يُطيِّبَ نفسه، فاستدل المصنف بحديث عائشة المطابق للترجمة، وهو ظاهر فيما ترجم له.
والحديث الذي أشار إليه: أخرجه الترمذي، وصححه الحاكم من حديث عمران بن حصين، وله شاهد عن أبي موسى الأشعري عند الطبراني في «الأوسط. «
ووَجْهُ التفرقة: أن المرأة مأمورة بالاستتار حالة بروزها من منزلها، والطيبُ الذي له رائحة لو شُرع لها لكانت فيه زيادة في الفتنة بها، وإذا كان الخبر ثابتًا فالجمع بينه وبين حديث الباب أنَّ لها مندوحة أن تغسل أَثَره إذا أرادت الخروج، لأنَّ منعها خاصٌّ بحالةِ الخروج. والله أعلم» [4] اهـ.
(1) المجموع شرح المهذب (7/ 218) .
(2) مغني المحتاج (1/ 479) .
(3) أخرجه البخاري (10/ 266 فتح الباري) ، ومسلم (8/ 98، 99 (بشرح النووي، والنسائي (5/ 137 (بشرح السيوطي.
(4) فتح الباري (10/ 366) .