وهذا التقدير في زمانهم هو القصد والتوسط. ويُراعى في كل زمان الاعتدال، وعدم الترفع ... أو الابتذال.
فما تفعله بعض نساء هذا الزمان من ارتياد المتاجر الشهيرة، ذات الأسعار المرتفعة لشراء حاجاتهن، ثم ارتداء تلك الملابس بقصد أن يرفع النساء إليهنَّ أبصارهنّ؛ أو ليُعرفن بلبس نفيس الثياب بين صاحباتهن ويتحدثن بذلك شعورا بالزهُوِّ والخيلاء على غيرهنّ هو من الحرام الذي يورث من تفعله الذلَّ والهوان، مع ما يصاحبه في الآخرة من عذاب النيران جزاءً وِفاقًا على زُهُوِّهنّ، وكسرِ قلوب من يجالسهن، وجرحِ مشاعرهن وخواطرهنّ. وقد يؤدي ذلك إلى وقوع الشقاق بين هؤلاء وأزواجهنَّ، لعدم استطاعتهم تلبية رغباتهن. والله تعالى أعلم.
واعلم أن النهي عن ثياب الشهرة يشمل الرجال والنساء على حدٍّ سواء لعموم النصوص الواردة في ذلك. ويدخل في هذا: الخروج عن عادة بلده وعشيرته في اللباس، إلا إذا كانت أزياؤهم مخالفة للشريعة الإسلامية، كأن تكون ضيقة تصف العورة، أو مختصة بالكفار، بحيث يعرفون بها، ويشتهرون فيها، فيجب حينئذٍ مخالفتهم فيها.
قال الشيخ محمد السَّفَّاريني الحنبلي ــ رحمه الله تعالى ــ: «وفي الغُنية: من اللباس المُنَزَّهِ عنه: كلُّ لبسة يكون بها مشتهرًا بين الناس، كالخروج عن عادة بلده وعشيرته، فينبغي أن يلبس ما يلبسون، لئلا يُشار إليه بالأصابع، ويكون ذلك سببًا لحملهم على غِيبته، فيشركهم في إثم الغيبة له. انتهى ...
وفي «الفروع» : تكره شهرة، وخِلافُ زِيِّ بلده، وقيل: يحرم، ونصه: لا» [1] اهـ.
قال «محمد فؤاد» : عفا الله عنه: وعلى هذا فما يفعله بعض العرب من لبس «الملابس الأفغانية» في البلاد العربية، أو الدول الأوربية التي يقيمون بها، والخروج بها إلى الأسواق والبروز بها في مجتمعات الناس، هو مما يشمله النهي الوارد في الأحاديث النبوية، والنصوص الفقهية، لأنه داخل تحت عموم لباس الشهرة حتى ولو لم يقصد لابِسُهُ ذلك، لكونه خارجًا عن عادة بلده وعشيرته وسببًا في حمل الناس على غِيبته. رزقنا الله الفقه في الدين، بكرمه ومَنِّهِ آمين.
(1) غذاء الألباب (2/ 158 159) . وهناك نصوص كثيرة نحو هذا اقتصرنا على ما ذكرناه رومًا للاختصار.