فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 297

والمقصود هنا: أن النساء مأمورات في هذا بما يسترهن ويحجبهنّ. فإذا اختلف لباس الرجال والنساء مما كان أقرب إلى مقصود الاستتار والاحتجاب: كان للنساء، وكان ضده للرجال.

وأصل هذا أن تعلم أن الشارع له مقصودان:

)أحدهما): الفرق بين الرجال والنساء.

)والثاني): احتجاب النساء. فلو كان مقصوده مجرد الفرق لحصل ذلك بأي وجه حصل به ... الاختلاف. وقد تقدم فساد ذلك، بل أبلغ من ذلك أن المقصود باللباس إظهار الفرق بين المسلم والذمي، ليترتب على كل منهما من الأحكام الظاهرة ما يناسبه.

وكذلك أيضًا: ليس المقصود مجرد حجب النساء وسترهن دون الفرق بينهن وبين الرجال؛ بل الفرق أيضًا مقصود، حتى لو قُدِّر أن الصنفين اشتركوا فيما يستر ويحجب، بحيث يشتبه لباس الصنفين لنُهوا عن ذلك.

والله تعالى قد بيَّن هذا المقصود أيضًا بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} [الأحزاب: 5] ، فجعْلُ كونهن يُعرَفْنَ باللباس الفارق أمرٌ مقصودٌ.

ولهذا جاءت صيغة النهي بلفظ التشبه، بقوله ^: «لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء» ، وقال: ... «لعن الله المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء» . فعلَّق الحكم باسم التشبه، وبكونِ كلِّ صنف يتصف بصفة الآخر.

فالمشابهة في الأمور الظاهرة تورث تناسبًا وتشابهًا في الأخلاق والأعمال، والرجل المتشبه بالنساء يكتسب من أخلاقهن بحسب تشبهه، حتى يفضي الأمر به إلى التخنث المحض، والتمكين من نفسه كأنه امرأة ..

والمرأة المتشبهة بالرجال تكتسب من أخلاقهم، حتى يصير فيها من التبرج والبروز ومشاركة الرجال ما قد يُفضي ببعضهن إلى أن تُظهر بدنها كما يظهره الرجل، وتطلبُ أن تعلو على الرجال كما تعلو الرجال على النساء، وتفعل من الأفعال ما ينافي الحياء والخفر المشروع للنساء، وهذا القدر قد يحصل بمجرد المشابهة.

وإذا تبين أنه لابد من أن يكون بين لباس الرجال والنساء فرق يتميز به الرجال عن النساء، وأن يكون لباس النساء فيه من الاستتار ما يُحصِّل مقصود ذلك، ظهر أصل الباب، وتبين أن اللباس إذا كان غالبه لُبْسَ الرجال نُهيت عنه المرأة وإن كان ساترًا، كالفراجي التي جرت عادة بعض البلاد أن يلبسها الرجال دون النساء، والنهي عن مثل هذا بتغير العادات.

وأما ما كان الفرق عائدًا إلى نفس الستر، فهذا يؤمر به النساء بما كان أستر ولو قُدِّر أنَّ الفرقَ يحصُلُ بدون ذلك، فإذا اجتمع في اللباس قلة الستر، والمشابهة، نهي عنه من الوجهين، والله أعلم» [1] اهـ.

(1) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (22/ 145 ــ 155) بتصرف واختصار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت