فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 297

وقد فُسِّر قوله: «كاسيات عاريات» بأن تكتسي ما لا يسترها، فهي كاسية، وهي في الحقيقة عارية، مثل من تكتسي الثوب الرقيق الذي يصف بشرتها؛ أو الثوب الضيق الذي يبدي تقاطيع خلقها، مثل: عجيزتها، وساعدها، ونحو ذلك.

وإنما كسوة المرأة ما يسترها، فلا يبدي جسمها، ولا حجم أعضائها، لكونه كثيفًا واسعًا.

ومن هنا يظهر الضابط في نهيه ^ عن تشبه الرجال بالنساء، وعن تشبه النساء بالرجال. وأن الأصل في ذلك ليس هو راجعًا إلى مجرد ما يختاره الرجال والنساء ويشتهونه، ويعتادونه، فإنه لو كان كذلك لكان إذا اصطلح قوم على أن يلبس الرجال الخُمُر التي تغطي الرأس، والوجه والعنق والجلابيب التي تُسْدَلُ من فوق الرؤوس، حتى لا يظهر من لابسها إلا العينان، وأن تلبس النساء العمائم والأقبية المختصرة، ونحو ذلك. فإن الله تعالى قال للنساء: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ} الآية [النور: 31] .

وقال: {قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} الآية [الأحزاب: 5] .

وقال: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33] .

فلو كان اللباسُ الفارق بين الرجال والنساء مُسْتَنَدُهُ مجرد ما يعتاده النساء أو الرجال باختيارهم وشهوتهم؛ لم يجب أن يدنين عليهن الجلابيب ولا أن يضربْنَ بالخُمُر على الجيوب، ولم يحرم عليهن التبرج تبرج الجاهلية الأولى؛ لأن ذلك كان عادة لأولئك، وليس الضابط في ذلك لباسا معينًا من جهة النبي ^، أو من جهة عادة الرجال والنساء على عهده، بحيث يقال: إنَّ ذلك هو الواجب، وغيره يحرم.

فإنَّ النساء كُنَّ على عهده يَلبسْنَ ثيابًا طويلات الذيل، بحيث ينجرُّ خلف المرأة إذا خرجت؛ والرجل مأمور بأن يُشَمِّرَ ذيله حتى لا يبلغ الكعبين ولهذا لما نهى النبي ^ الرجال عن إسبال الإزار، وقيل له: فالنساء؟ قال: «يرخين شبرًا، قيل له: إذن تنكشف سوقهن، قال: ذراعًا لا يزدْنَ عليه» . قال الترمذي: حديث صحيح.

حتى إنه لأجل ذلك روي أنه رخص للمرأة إذا جَرَّت ذيلها على مكان قذر، ثمَّ مَرَّت به على مكان طيب، أنه يَطْهُرُ بذلك، وذلك قول طائفة من أهل العلم في مذهب أحمد وغيره. جَعَلَ المجرور بمنزلة النعل الذي يكثر ملاقاته النجاسة، فيطهر بالجامد، كما يطهر السبيلان بالجامد لَمَّا تكرر ملاقاتهما النجاسة.

ثم إن هذا ليس معيَّنًا للتستر. فلو لبست المرأة سراويل، أو خفًا واسعًا صلبًا، كالموق، وتدلَّى فوقه الجلباب، بحيث لا يظهر حجم القدم؛ لكان هذا مُحَصِّلًا للمقصود، بخلاف الخف اللين الذي يبدي حجم القدم؛ فإن هذا من لباس الرجال. وكذلك المرأة لو لبست جبة وفروة لحاجتها إلى ذلك إلى دفع البرد، لم تُنهَ عن ذلك.

فلو قال قائل: لم يكن النساء يَلبسن الفراء، قلنا: فإن ذلك يتعلق بالحاجة؛ فالبلاد الباردة يُحتاج فيها إلى غلظ الكسوة، وكونها مدفئة، وإن لم يُحتج إلى ذلك في البلاد الحارة.

فالفارق بين لباس الرجال والنساء يعود إلى ما يصلح للرجال، وما يصلح للنساء، وهو ما يناسب ما يؤمر به الرجال، وما تؤمر به النساء.

فالنساء مأمورات بالاستتار والاحتجاب، دون التبرج والظهور؛ ولهذا لم يشرع لها رفع الصوت في الأذان، ولا التلبية، ولا الصعود إلى الصفا والمروة، ولا التجرد في الإحرام كما يتجرد الرجل.

فلو أراد الرجال أن ينتقبوا، ويتبرقعوا، ويَدَعوا النساء باديات الوجوه لمنعوا من ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت