فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 297

لا يحل لمسلم أن يتشبَّه بالكافرين في أقوالهم وأفعالهم، ولا في أعيادهم وملابسهم، ولا في أي شأن من شؤونهم التي يتميزون بها عن غيرهم.

وقد نهى الإسلام عن هذا التشبه أشد النهي، ليتميز المسلمون بشخصيتهم المتفردة عن مَن سواهم في كافة شؤونهم وأحوالهم، لأن موافقتهم للكافرين في أقوالهم وأفعالهم، وأعيادهم وملابسهم قد تدفعهم إلى التشبه بهم فيما يُفسد عقيدتهم، فتذوب شخصيتهم، ويصبحون تبعًا لمن عداهم

والإسلام يأبى أن يكون معتنقوه تبعًا لأعدائهم، ويأنف أن يصبحوا عالة على موائدهم. فعقيدتهم التي يؤمنون بها تفرض عليهم أن يكونوا سادة في الناس، لا تبعًا لكل منحرف خرَّاص. ولهذا ذكَّرَهم في أحرج الظروف باستعلائهم، وربطهم في ذلك بإيمانهم، فقال: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} الآية [آل عمران: 13] .

وقد جاء النهي عن التشبه بالكافرين في غير ما آية من القرآن الكريم، وفي كثير من أحاديث سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

1 ــ قال الله عز وجل: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ الله شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالله وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} ... [الجاثية: 18 ــ 1] .

قال الفخر الرازي: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ} أي على طريقة ومنهاج من أمر الدين، فاتبع شريعتك الثابتة بالدلائل والبينات، ولا تتبع ما لا حُجة عليه من أهواء الجهال وأديانهم، المبنية على الأهواء والجهل {إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ الله شَيْئًا} ، أي: لو مِلْتَ إلى أديانهم الباطلة فصرتَ مستحقًا للعذاب، فهم لا يقدرون على دفع عذاب الله عنك. ثم بيَّن تعالى أن الظالمين يتولى بعضهم بعضًا في الدنيا والآخرة، لا وليَّ لهم ينفعهم في إيصال الثواب، وإزالة العقاب، وأما المتقون المهتدون فالله وليّهم وناصرهم، وهم موالوه، وما أبين الفرق بين الولايتين» [1] اهـ.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «جعل الله محمدًا ^ على شريعة من الأمر شرعها له، وأمره باتباعها، ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون. وقد دخل في الذين لا يعلمون: كل من خالف شريعته.

و «أهواؤهم» : هي ما يَهْوَوْنه وما عليه المشركون من هديه الظاهر الذي هو من موجبات دينهم الباطل، وتوابع ذلك، فهم يَهْوَوْنه. وموافقتهم فيه: اتباع لما يَهْوَوْنه ولهذا يفرح الكافرون بموافقة المسلمين في بعض أمورهم، ويُسَرُّون به ويودون أن لو بذلوا مالا عظيمًا ليحصل ذلك. ولو فرض أن ليس الفعل من اتباع أهوائهم، فلا ريب أن مخالفتهم في ذلك أَحْسَمُ لمادة متابعتهم في أهوائهم، وأعون على حصول مرضاة الله في تركها، وأن موافقتهم في ذلك قد تكون ذريعة إلى موافقتهم في غيره. فإن ... «من حام حول الحمى أوشك أن يواقعه» . وأيُّ الأمرين كان، حصل المقصود في الجملة، وإن كان الأول أظهر» [2] اهـ.

(1) تفسير الرازي (27/ 265 ــ 266) .

(2) اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم (ص / 14) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت