وقد بعث الله المصطفى ^ بالحكمة التي هي سنته، وهي الشِّرعة والمنهاج الذي شرعه له، فكان مما شرعه له من الأقوال والأفعال ما يباين سبيل المغضوب عليهم والضالين، فأَمر بمخالفتهم في الهَدْيِ الظاهر في هذا الحديث وإن لم يظهر فيه مفسدة، لأمور:
ــ منها: أن المشاركة في الهدي في الظاهر تؤثر تناسبًا وتشاكلًا بين المتشابهين تعود إلى موافقة ما في الأخلاق والأعمال. وهذا أمر محسوس فإن لابس ثياب العلماء ــ مثلًا ــ يجد من نفسه نوع انضمام ... إليهم، ولابس ثياب الجند المقاتلة ــ مثلًا ــ يجد من نفسه نوع تخلق بأخلاقهم، وتصير طبيعته منقادة لذلك إلا أن يمنعه مانع.
ــ ومنها: أن المخالفة في الهَدْي الظاهر توجب مباينة ومفارقة توجب الانقطاع عن موجبات الغضب، وأسباب الضلال، والانعطاف على أهل الهدى والرضوان.
ــ ومنها: أن مشاركتهم في الهَدْيِ الظاهر توجب الاختلاط الظاهر، حتى يرتفع التمييز ظاهرًا بين المهديين المرضيين، وبين المغضوب عليهم والضالين، إلى غير ذلك من الأسباب الحكيمة التي أشار إليها هذا الحديث وما أشبهه» [1] اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «هذا الحديث أقل أحواله: أنه يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبِّه بهم، كما في قوله: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51] . وهو نظير ما سنذكره عن عبد الله بن عمرو، أنه قال: «من بنى بأرض المشركين، وصنع نَيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت حشر معهم يوم القيامة» [2] .
فقد يُحمل هذا على التشبه المطلق، فإنه يوجب الكفر، ويقتضي تحريم أبعاض ذلك. وقد يحمل على أنه صار منهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه. فإن كان كفرًا أو معصية، أو شعارًا للكفر أو المعصية: كان حكمه كذلك. وبكل حال فهو يقتضي تحريم التشبه بهم بعلة كونها تشبهًا
والتشبُّهُ: يعم من فعل الشيء لأجل أنهم فعلوه، وهو نادر. ومن تبع غيره في فعل لغرض له في ذلك، إذا كان أصل الفعل مأخوذًا عن ذلك الغير [3] .
فأما من فعل الشيء واتفق أن الغير فعله أيضًا، ولم يأخذه أحدهما عن صاحبه، ففي كون هذا تشبهًا نظر. لكنْ قد يُنهى عن هذا، لئلا يكون ذريعة إلى التشبُّهِ، ولِمَا فيه من المخالفة. كما أمر بصبغ اللحى وإعفائها، وإحفاء الشوارب، مع أن قوله ^: «غيروا الشيب، ولا تشبهوا باليهود» دليل على أن التشبه بهم يحصل بغير قصد منا، ولا فعل، بل بمجرد ترك تغيير ما خلق فينا. وهذا أبلغ من الموافقة الفعلية الاتفاقية» [4] اهـ.
(1) فيض القدير (6/ 104 (
وقد نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (ص / 11 ــ 12 (باختصار.
(2) أخرجه البيهقي (9/ 234) .
(3) أقول: وهذا ينطبق على النساء اللواتي يتتبعنَ أحدث الأزياء الغربية، ويلبسْنَها ليقال عنهن: ... «متحضرات» ، ويتابعن بيوت الأزياء الشهيرة في جميع فصول السنة ليوصفن بـ: «المتحررات» ، ولكنْ من كل التزام شرعي، وخلق إسلامي، «المتقدمات» ولكن إلى فساد الجيل، ثم إلى جهنم وبئس المصير.
(4) اقتضاء الصراط المستقيم (ص / 83) .