فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 297

رسول الله، إن أهل الكتاب يقُصُّون عثانينهم [1] ، ويوفرون سبالهم [2] ، قال: فقال ^: قصوا سبالكم ووفِّروا عثانينكم، وخالفوا أهل الكتاب» [3] .

قال الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا: «والمعنى: أن اليهود كانوا يقصون لحاهم، ويتركون شواربهم، كما يفعله السواد الأعظم من الناس الآن في زمننا هذا، حتى بعض العلماء؛ فلا حول ولاقوة إلا بالله» [4] اهـ.

ففي هذا الحديث، والأحاديث الأخرى التي تقدم بعضها، دلالة واضحة على ضرورة مخالفة الكفار في أزيائهم، وترك التشبه بهم في أفعالهم، ويشمل هذا الجانب الرجال والنساء على حدٍّ سواء.

وقد قرر «شيخ الإسلام ابن تيمية» اتفاق الأئمة على النهي عن موافقة الكفار والأعاجم، والأمر بمخالفتهم، فقال: «ما ذكره عامة علماء الإسلام من المتقدمين، والأئمة المتبوعين، وأصحابهم، في تعليل النهي عن أشياء بمخالفة الكفار، أو مخالفة الأعاجم. وهو أكثر من أن يمكن استقصاؤه. وما من أحد له أدنى نظر في الفقه إلا وقد بلغه من ذلك طائفة

وهذا بعد التأمل والنظر يورث علمًا ضروريًا باتفاق الأئمة على النهي عن موافقة الكفار والأعاجم، والأمر بمخالفتهم.

وأنا أذكر من ذلك نُكَتًا في مذاهب الأئمة المتبوعين اليوم، مع ماتقدم في أثناء الكلام عن غير واحد من العلماء.

فمن ذلك: أن الأصل المستقِرَّ عليه الأَمرُ في مذهب أبي حنيفة: أن تأخير الصلوات أفضل من تعجيلها إلا في مواضع يستثنونها، كاستثناء يوم الغيم، وكتعجيل الظهر في الشتاء، وإن كان غيرهم من العلماء يقول: إن الأصل أن التعجيل أفضل. فيستحبون تأخير الفجر، والعصر، والعشاء، والظهر، إلا في الشتاء في غير الغيم ..

وقالوا أيضًا: يكره السجود في الطاق، لأنه يشبه صنيع أهل الكتاب من حيث تخصيص الإمام ... بالمكان، بخلاف ما إذا كان سجوده في الطاق وهذا أيضًا ظاهر مذهب أحمد وغيره. وفيه آثار صحيحة عن الصحابة: ابن مسعود، وغيره. .

وقالوا أيضًا: لا يجوز الأكل والشرب والادِّهان والتطيب في آنية الذهب والفضة للرجال والنساء، للنصوص. ولأنه تَشَبُّهٌ بزِيّ المشركين، وتنعُّمٌ بتنعُّمِ المترَفين والمسرِفين.

وقالوا في تعليل المنع من لباس الحرير في حُجَّة أبي يوسف ومحمد على أبي حنيفة في المنع من افتراشه وتعليقه والستر به، لأنه زِيُّ الأكاسرة والجبابرة، والتشبُّه بهم حرام.

قال عمر: «إياكم وزيَّ الأعاجم» ...

ومثل هذا كثير في مذهب أبي حنيفة وأصحابه.

(1) «العثانين» : جمع عُثنون، وهي اللحية.

(2) «السِّبال» : جمع سَبلَة، بالتحريك، الشارب. اهـ من «بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني» ... (17/ 237) .

(3) أخرجه أحمد (5/ 264) . قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (5/ 131) : «رواه أحمد، والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح، خلا القاسم، وهو ثقة وفيه كلام لا يضر» . اهـ

(4) بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني» (17/ 237) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت