لا يحل لبس ثوب نقش فيه صليب، ونحوه، سواء كان الثوب جلبابَ الخروج أم غيره، لأن الصليب شعار ديني للنصارى، وقد استحدثوه بناءً على اعتقاد فاسد، حيث زعموا أن المسيح عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام قتل وصلب على مثله. ولهذا اعتقدوا تقديسه طاعةً، وإعظامه قُربة.
وقد كذَّبهم الله تعالى في زعمهم هذا، فقال: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ وَكَانَ الله عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 157 ــ 158] .
ويدل على النهي عن لبس أيِّ ثوب فيه صليب ونحوه، الأحاديث التالية:
1 ــ عن عِمْرَانَ بنِ حِطَّان «أن عائشة رضي الله عنها حَدَّثتهُ أن النبي ^ لم يكنْ يتركُ في بيته شيئًا فيه تصاليب إلا نقضه» [1] .
قال الحافظ ابن حجر: «قوله: «إلا نَقَضَه» كذا للأكثر، ووقع في ــ راوية أَبَان: «إلا قَضَبه» بتقديم القاف، ثم المعجمة، ثم الموحدة، وكذا وقع في روايةٍ عند ابن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، عن هشام، ورجحها بعض شراح «المصابيح» ، وعكَسَهُ الطيبي فقال: «رُواة البخاري أضبط، والاعتمادُ عليهم أولى» . قلت: ويترجح من حيث المعنى أن ... «النقض» يزيل الصورة مع بقاء الثوب على حاله. «والقَضْب» : هو القطع، يزيل صورة الثوب» [2] اهـ.
وقال القسطلاني: «نَقَضَه» أي كسرَهُ وغيَّرَ صورته» [3] اهـ.
2 ــ وعن عائشة رضي الله عنها «أن رسول الله ^ كان لا يترك في بيته شيئًا فيه تصليب إلا قضبه» [4] .
قال الشيخ خليل أحمد السهارنفوري في شرحه لهذا الحديث: « ... أن رسول الله ^ كان لا يترك في بيته شيئًا» يشمل الملبوس، والستور، والبُسُط، والآلات. «فيه تصليب» أي صورة الصليب التي للنصارى من نقش في ثوب، أو غيره. «إلا قَضَبه» ولفظ البخاري: «إلا نَقَضَه» أي قطعه وكسره، وغيَّرَ صورة الصليب.
والصليب وإن لم يكن على صورة ذي حياة، لكنْ يُمحَى لما يعبده النصارى» [5] اهـ.
3 ــ وعن دِقْرة [6] أمِّ عبد الرحمن بن أُذَينةَ قالت: «كنا نطوف بالبيت مع أم المؤمنين، فَرَأت على امرأة بُرْدًا فيه تصليب، فقالت أمُّ المؤمنين: اطرحيه اطرحيه، فإن رسول الله ^ كان إذا رأى نحو هذا قضبه» [7] .
(1) أخرجه أحمد (6/ 52 و 237 و 252) ، والبخاري (10/ 385 فتح الباري) واللفظ له وأبو داود (4/ 72) ، والنسائي في السنن الكبرى (12/ 249 تحفة الأشراف) .
(2) فتح الباري (10/ 385) ، مصحِّحًا ما وقع في عبارة الطيبي من خطأ مطبعي، هو: «رواية البخاري» ، والصحيح ما أثبتناه: «رُواةُ البخاري» بدلالة ما بعده.
(3) إرشاد الساري (8/ 481) .
(4) أخرجه أحمد (6/ 236) ، وأبو داود (4/ 72) ، والنسائي في السنن الكبرى (12/ 249 تحفة الأشراف) .
(5) بذل المجهود (17/ 32) .
(6) دِقْرة» بكسر الدال المهملة، وسكون القاف. كما في «الإكمال» لابن ماكولا.
(7) أخرجه أحمد (6/ 140) ، وقال الشيخ البنا في «بلوغ الأماني» (17/ 285) : لم أقف عليه لغير الإمام أحمد، وسنده جيد.